فاعلية نسق المفارقة في انتاج الدلالة – عمار ابراهيم عزت

من الممكن قراءة مسرحية (خريف التماثيل) وفقاً لفاعلية (نسق المفارقة) في انتاج الدلالة. وأهم المفارقات نجدها في عتبة العنوان التي تصطدم مع خاتمة المسرحية اذ سيفضي خريف التماثيل الى ربيعها وازدهارها وتناسلها، فما سقط هو قناع الدكتاتور وأيديولوجيته الزائفة التي عسكرت الأمة وزجت بها في حروب إبادة خاسرة، أما الدكتاتورية فإنها ستتنكر بزي جديد يتخذ من الإسلام قناعا له. وفي هذا التحول بعد ايديولوجي خطير، فاذا كان موت الشعب سابقا من أجل (الزعيم الأوحد)، فإنه سيكون مع التيارات المتأسلمة الجديدة موت من أجل الرب لمنفعة المتأسلمين الجدد. هنا يُضحّى بالشعب مرتين، مرة من اجل سلطة دنيوية متعالية (الكتل أو الأحزاب أو القادة، أو نظام الحكم برمته)، وأخرى من أجل سلطة سماوية متعالية، الأولى من الممكن رفضها والتمرد عليها، أما الثانية فلا يمكن رفضها أو التمرد عليها، وهي سلطة الرب التي انتقلت شرعيها الى الدكتاتور الحاكم باسم الله والدين.

فإذا انتقلنا الى فضاء المسرح نجده قد مزج بين عالمين هما: عالم الحياة متمثلا بغاسل الموتى، وعالم الموت متمثلا بالشبح الذي سيكون مرة صورة للضحية وتارة أخرى صورة للدكتاتور. وينتج من تفاعل هذين العالمين ضمن نسقهما المفارق، بوساطة الحوار والأداء، نمو العمل المسرحي وتصاعد وتيرة الأحداث التي تشي بما لا يقبل الجدل إن غاسل الموتى وإن كان حيّا فهو ميت رمزيّا وفاقد لرجولته وذاته وعاجز عن الفعل والمواجهة ومنهزم ماديا ومعنويا أمام سطوة الدكتاتور الذي ظل يخشاه حتى بعد مماته، إنه الحي الميت أو الميت الحي.

إن المسرحية تعلن، بشكل قاطع، عن إدانتها لكل الأنظمة الدكتاتورية السابقة واللاحقة، وهي في الوقت ذاته تستبطن إدانة للشعب كون ازميل النحت الذي يصنع تماثيله ليقدسها ويعبدها ونتلمس هذا المعنى من تطبيل ورقص غاسل الموتى (رمز الشعب) للدكتاتور السابق واللاحق على حد سواء.

لقد كان المؤلف عمار نعمة موفقاً في اختيار شخصية غاسل الموتى كونه شاهد موضوعي وواقعي لنهاية الانسان في مجتمع ذاق أصناف الموت على يد الدكتاتورية لعقود. أما المخرج فيمكننا القول انه كان موفقا الى حد ما في إيصال ثيمة النص المسرحي، وربما كان التجريد الذي اعتمده سببا في عدم وضوح الرؤية لبعض مشاهد العرض. علما إن التجريد لم يكن من توظيفات المخرج وإنما أقحم في العمل وفقا لرؤية المؤلف عمار نعمة الذي ينص على إن ” الاشتغال بطريقة تجريبية، والتجريد في المكان، والاحتمالية في عناصر العرض. كلها تخلق رؤيا الإخراج الذي يستمد طاقته وتأثيره من علم الجمال (الاستطيقا)”، أما السبب الثاني فناتج من شحنة النص الأيديولوجية التي وما تتطلبه من إمكانيات عالية لا متواضعة لبثها الى المتلقي.

 لقد دفع ذلك المخرج الشاب (علي حسين)، في تجربته الأولى، الى اعتماد السرد والحوار لنقل ثيمات النص مقارنة بالاعتماد النسبي على الأداء والتمثيل والحركة الايحائية والمساعدات التكميلية الأخرى كالسينوغرافيا والمونتاج الصوتي والإضاءة وغيرها، مما لا يعد عناصر كمالية فائضة على جسد العمل المسرحي بقدر ما تؤدي دورا وظيفيا منجزا لرسالة المسرحية.  لكن شهادة موضوعية نقدمها إن هذا العمل المسرحي قد حقق غايته كما خلّف أصداءً من الاستحسان فمبارك (لجماعة الناصرية للتمثيل) انجازهم هذا الذي يضاف الى سيل انجازاتهم السابقة لعقود.