انعتاق الأطر الفكرية من خارج الصندوق في مسرحية قلق لعمار نعمه جابر/ الناقد حيدر جبر الاسدي



أن مجرد التلويح بالفرضيات الفلسفية خارج الأطر العامة في صياغة افكار انطلوجية أو سسيلوجية من خارج الصندوق ‘ تفتح شهية القارئ للولوج الى الكم العلاماتي المتدفق سواء في مابينية متن النص أو في الانزياحات الدلالية التي تمظهرت في المركز رمزيا كانت أو اشاريا ‘ من هنا يسوق الكاتب عمار نعمة جابر نصه الموسوم (قلق) ليقذفنا في أتون الاسئلة الاشكالوية التي هي محل افتراض وليس حقيقة بوصفها مصدات للتابوات الحياتية ‘ يقول مشيل فوكو :” النص المسرحي يمكن أن يعمل كمنصة لفضح الهياكل الاجتماعية “المستترة” و”المستبعدة” بدلاً من مجرد تكرار الخطاب السائد.” ‘ وهذا ما اعتمده جابر في صياغة نصه مبتدأ بسؤال غرائبي يصدم القارئ تارة ويعيد قراءته للثيمة تارة أخرى. من خلال افتراضه لحكاية اجتماعية ظاهرها بسيط وباطنها عميق جدا ..شخصيتان تتبادلان حوارا يكشفان من خلاله مقدمات الحدث الصاعد والتأسيس لمنعطف في غاية الخطورة حين يكون السؤال ضربا من الخيال والدهشة ..البنت “ابي اريد أن أتزوج ” الاب يصمت ثم تكرر ذلك حتى يجيب الاب “هل هذا الفلم الذي في التلفاز فيلم رعب ” ‘المغايرة بين السؤالين يكشفان الاختلاف على مستوى التفكير بين جيلين ومستوى الاهتمامات لكنهما يتفقان بأنهما يمتلكان كل منهما عالمه الخاص وان كانا في مكان واحد ‘ ثم يحاول الكاتب في أن يوسع النسق الحكائي ليجترح لنا حبكة تجذبنا وتجعلنا في شوق لكشف بنية الفرضية التي استهلتها البنت عبر سؤالها الذي أوقع صدمة مرجعية للقارئ ..
الاب :”ماذا تريدين ؟ ”
البنت: ” اقول لك اريد أن أتزوج ”
الاب: ” ماذا تقولين ..هل جننت تأدبي يابنت ”
البنت: ” لماذا تقول لي ذلك ؟”


هذه المحاورة هي إشارة مرجعية تعبر عن رؤية المجتمع والواقع لهكذا فعل أو طلب افترضه الكاتب على لسان البنت ‘ حيث يتابع الأمر من خلال تعضيد الوحدات العضوية للنص ليصل إلى مرحلة الصراع بين اتجاهين فكريين المتمثلة بالأب/ بوصفة القيم والأعراف والمثل العليا. والبنت / التي تمثل الراهن والانقلاب على السائد والحداثة التي تتقاطع مع الواقعيات ‘ (في نظر رولان بارت، الابتعاد عن الواقع لا يعني الانفصال النفسي، بل هو نتيجة لعملية “موت المؤلف” و”لذة النص”، حيث يتم تحرير النص من سلطة المؤلف ليصبح ملكًا للقارئ. القارئ هو من يشارك في خلق المعنى وتشكيل النص، مما يجعل النص أفقاً متجدداً وقابلاً لتأويلات لا نهائية.) ‘ وعليه فإن النص هنا خرج عن السياقات التوليدية في إحراز الاتجاه الذي عمل.على تحقيقه عير الحوار والفكرة والشخصية بوصفها عناصر البناء الدرامي للنص وجعل القارىء حرا في تصنيف السياق بحسب رؤية بارت للنسق المتمظهر ‘ ومن هنا أقول إن الاسقاطات التي ساقها الكاتب عبر المتن الحكائي للنص لاتبتعد.كثيرا من التصور الفلسفي له في قراءة الراهن الذي نعيش أحداثه فقد ربط من خلال الشخصيتين دلالات متعددة منها دلالة الفكرة الغرائبية وهي طلب البنت الزواج من أبيها وان يبحث لها عن زوج وهذا غير متداول اجتماعيا وثانيا ارتباط الاب بقلم الرعب الذي يقراء الحاضر وربما المستقبل الذي يعيشه الاب والدلالة الأخيرة هي اسقاطات النص المعاصرة بمعنى الزخم الذي ولده المعنى في قراءة الراهن المعاش ‘ فإذا حاولنا أن ننظر للنص امبيرقيا فسنجد أن المتغيرات الحاصلة في المجتمع هي خارج الصندوق ولم تكن داخله ابدا لانها ابتعدت عن كل المعايير وهذا الأمر ليس على المستوى السياسى. بل على جميع المستويات ‘ وهو واضح من المبثوثات التي يمكن تاشيرها من النص ‘ الاب ( هذا خارج طبيعتنا ويبقي الاب الامر محصورا في نفسه كأمنية ورجاء فقط )
البنت ( أمنية ؟) وهناك التفاتات حاول الكاتب أن يعطيها مساحة بأن ترك الحوار بين الأب والبنت على سبيل الفرض لأجل الحفر في الثيمة المركزية كذلك ليعطية مساحة تاويلية أكثر حينما بين الأب اسباب عدم القبول بهذه الفرضية كونها تدخل في نواحي كثيرة منها الحياء والخسارة المادية وأنها مرفوضة مجتمعية من جانب آخر أعطى المحال للبنت أن تحلق عاليا سيما وأنها فتاة ومدللة فتطلب أكثر من ذلك
البنت:” هناك أشياء كثيرة اكبر مثلا ان تطلب الزوجة طفلا من الزوج ”
الاب:” كيف تطلب الزوجة من الزوج طفلا ‘ لم افهم ؟ ”
البنت :” افكر حينما اتزوج سأطلب من زوجي أن أحمل طفلا ” ‘ وتمتد هذه الاشارات الفانتازيا صعودا باتجاه جعل الفرضية قابلة للحوار لكنها غير قابلة للتطبيق ‘ والسبب انها في بنيتها الفلسفية ممكن أن تكون مادة للحوار لكن على مستوى وجودها غير ممكن الحدوث كحال الكثير من المفاهيم الفلسفية لا تكون الا في موارد البحث والجدل لكنها عصية على التحقق ..وهنا يشير الكاتب أنه وان كان ثمة عقد منهجية في تمظهر الفرضية على الأرض إلا أنها يمكن أن تأخذ سياقها في الحوار ‘ وهذا القلق النفسي
هو متاتي من خشية الكاتب بأن الذي لايمكن له أن يحصل واقعيا ربما يأتي يوم يحققه اولئك الذين حاولوا تحقيق كل ماهو متناقض وعسير التحقق ‘ ومن هنا بدأ ت رسالة النص ‘ ووفقا لما أشرنا له يمكن أن نحدد بعض المؤشرات في النص :
اولا… اعتمد الكاتب على فكرة فانتازية لياتي بفرضية وافكار خارج الصندوق كما يعبر فلسفيا ..
ثانيا .. بنى متنه الحكائي على شخصيتين تمثلان الأسرة ومن جيلين مختلفين..ليبين اختلاف الرؤى والأفكار في موارد حددها النسق الحكائي للنص
ثالثا.. الاغتراب في الفكرة اوجده حالة من اللذة في القراءة وآثار الدهشة والاستغراب وكذلك التساؤل مالذي يريد قولة ؟
رابعا …قرأ الكاتب وبشكل ذكي جدا. ما يحصل من تداعيات على المستوى السياسي والاجتماعي والأخلاقي للمجتمع وأنه في احايين كثيرة خرج اي -المجتمع-. عن السياق
خامسا… امتاز النص بالسلاسة وجمال التعبير ودقة الفكرة وزخم المعنى وانسيابية في الحدث وتماثل الحبكة وانضباطها في رسم ايقاع النص. ..
سادسا… كانت النهاية بخروج الاب ليرى الام ويطمئن عليها ويتاكد بأنه لم تسمع ماحدث ، ضربة في غاية الأهمية كشفت عن خوف الكاتب من أن يتأثر جيله بهكذا افكار قد تؤدي إلى انهيار جميع التابوات المجتمعية …
(يقول شوبنهاور: “إذا لم أجد شيئًا يقلقني، فهذا بحد ذاته يقلقني”)، وهو ما يعكس فلسفته التشاؤمية التي ترى أن الحياة مليئة بالمعاناة والهموم. كذلك يرى أن القلق جزء لا يتجزأ من الوجود البشري، وأن غياب الهموم قد يكون هو القلق الأكبر. ..
اخيرا يبقى السؤال هل ما يقلق الكاتب هو خروج المنظومة الإنسانية عن قيمها واعرافها ام أن المستقبل المشوهة أصبح مصدرا لقلقه ام كلاهما ؟؟
بقي أن نقول إن نص قلق هو جزء مجموعة مسرحية نشرت بنفس الاسم للكاتب عمار نعمة جابر ضمن منشورات اتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.