العنف الرمزي فاعلا دراميا في مسرحيّة “إجهاض” للكاتب عمار نعمه جابر / عباس حسيب الغالبي

إذا كان للبحث في طبيعة المسرح شيء من الرغبة الخاصة الناشئة عما يسمّيه (سوريو) بالحادث الجمالي في أقصى طاقاته، فإن اغتناء البحث بالتأمل المفاهيمي يتّخذ منه وسيلة استقصائية تتجاوز تجربة النصّ بما يؤدّيه من مثول جمالي، خصوصا أن الأمر يتعلّق بفنٍّ يبدو فيه أنّ تصوير الحياة يأخذنا بشكل أو بآخر إلى محاولة معرفة ماهية وجودنا وأبعاده، وعليه فإن اتكاء الفكر المسرحي على مناقشة فاحصة للمفاهيم المسكوت عنها يشكّل نوعا من الانفراج النصّي الذي يغيّر بطريقة ما التركيز على الاحتفاظ بوظيفة المسرح بما هو بصري ليتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك.


ثمّة ظواهر عديدة طبعت المسيرة البشرية وكان لابد أن تجد لها مساحة ضافية من الاهتمام في حقول علميّة كعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة وغيرها، وفي هذا الصدد وُضعت فرضيات مختلفة سعت لتفسير هذه الظواهر التي يمارسها الإنسان عبر تاريخه الطويل، ومن بين هذه الظواهر ظاهرة العنف والتي أمست واحدة من الظواهر الخطيرة في الواقع الاجتماعي، وما يهمّنا هنا وبحسب التقسيمات الحديثة للعنف وفق اعتبارات كثيرة كنوع القوة المستخدمة أو الموقع الذي يُمارس من خلاله أو الوظيفة أو الأسباب الداعية له، هو ما يسمّى بالعنف الرمزي. ذلك أنّ هذا النوع من العنف يتسلّل إلى المجتمع بطريقة غير مباشرة ممّا يمنحه قوة للتمركز في سلوكيات الأفراد والجماعات دون أن يتعرض غالبا إلى مجابهة أو مقاومة أو رفض واعٍ من الأفراد الممارس ضدهم. لذا عرّفه عالم الاجتماع (بورديو) بأنّه عنف ناعم خفي هادئ ومقنّع، ويقول في سياق آخر هو عنف لا مرئي لا محسوس حتى بالنسبة إلى ضحاياه ويتمثّل في اشتراك الضحية وجلادها في التصوّرات والمسلّمات نفسها. ونظرا لما قاله بورديو فإنّ خطورة هذا النوع من العنف تكمن في تحايله على المحيط الجمعي تبعا لمقدرته في اعتماد العلامات والرموز في بناء أثره، لذا تبدو خصوصية هذا النوع من العنف قائمة على اكتسابه قابلية مباغتة الوعي، وانعزاله بالشكل الذي يُتيح له حريّة التوغّل بين أفكار المجتمع. وقبل الدخول في مقاربة هذه الموضوعة لدى أحد الكتّاب المسرحيين العراقيين لابدّ من توضيح حقيقة أن المسرح والعنف متقابلان، يقفان على طرفي نقيض، فالمسرح رسالة إنسانية واجتماعية تسعى إلى تجذير قيم الحياة والسلام والمحبّة، خلافا للعنف الذي يمثّل سلوكا شائنا وينحى إلى السادية والعدمية، فهو رغبة في الهتك والتدمير والإلغاء، ومن هنا فحين يعرض المسرح لقضايا العنف بشكل عام فهو إنّما يهدف إلى الكشف والمعرفة والمعالجة والرفض والاعتراض.
يُعد مفهوم الهويّة الجنسانية من أهم القضايا الاجتماعية التي يتعلّق الحديث عنها بالعنف الرمزي، بل هو أحد المفاتيح التي مهدت الطريق لتطوّر مفهوم العنف الرمزي. والهوية بشكل عام مفهوم اجتماعي يُشير إلى محاولة لمعرفة الذات وفهمها وفهم انتمائها، ومحاولة تواصلها مع الآخر من خلال هذه المعرفة، ومن ثمّ محاولة تكوينها والإحساس بقيمتها. يلتفت الكاتب المسرحي العراقي عمار نعمة جابر إلى حقيقة الأزمة التي يواجهها الإنسان بفعل تقلبات الواقع وإذعانه لتأثيرات عديدة ومتنوعة، تقف به أمام تحديات تتعلّق بهويته الشخصيّة في المجتمع وتضعه أمام خيارات جسيمة في مثل هذه الأزمات التي لا يجد لها تفسيرا أو مخرجا يبرر تهشيمه وإقصاءه من الحياة. ومن الموارد التي يتمظهر من خلالها العنف الرمزي، هو توجّه الشخص مكرها بفعل ضغوط خارجية إلى تغيير جنسه، فالإكراه الخارجي هنا يتجلّى عبر الدفع باتجاه التخلّي عن الهويّة اضطرارا وليس كرغبة مؤكدة في تغيير النوع، ويتناغم هذا الاختيار ويساير القيم الاجتماعية القاهرة ورمزية الذكر كقوة مهيمنة في المجتمعات التي تؤمن بالهيمنة الذكورية. هذا ما نلمسه في نص (إجهاض) الذي تدور أحداثه بين شخصيتي (الطبيبة – المتحوّل) ويعرض للواقع المشحون بالعنف الرمزي الذي يدفع شخصيّة (المتحوّل) إلى الرغبة في مغادرة هويته الذكورية ومن بعد عملية التحوّل تخبره (الطبيبة) بأنّه حامل، ليجد نفسه أمام خيارين إما الإجهاض أو استكمال الحمل. يتجلّى العنف الرمزي في هذا النص من خلال ما يعبّر عنه موقف شخصية (المتحوّل) وخياراته التي يراها ضياعاً لحاضره ولمستقبله، وهو ذات الضياع الذي سيلحق بالجنين كما تراه (الطبيبة).
المتحوّل: مرير جدا الموقف الذي صنعته بنفسي.
الطبيبة: وهو نفسه قد يحدث لهذا الجنين الذي في بطنك.
المتحوّل: وماذا سيحدث له في رأيك؟
الطبيبة: سيتحمل تبعات ما حدث لك.
المتحوّل: قد تتغير الأمور معه.
الطبيبة: أبدا، بل سيبقى طوال دهره أبنا لرجل تحوّل إلى أنثى ثم عاد.
يلاحظ في هذا المونولوج أنّ أزمة (المتحوّل) تتعلّق بهويته مرتهنة بسياق علاقته مع الآخر، وهو ما يحمل دلالات اجتماعية واضحة حول أزمة الهويّة بشكل عام، فهي أزمة تتعلّق بأبعاد علاقته مع الآخرين، الأمر الذي يحكم على رحلته بالتدمير الذاتي لهويته. إنّ العنف الرمزي في هذا النص يعني سلب الهوية ولكن سلخ الهوية ولاسيما الهوية الجنسانية ليست قضية عابرة وهيّنة ولا يمكن إتمامها كما لو كانت شيئا ماديا ينتزع ليستبدل به شيء آخر، لأن الهوية ببساطة هي نتاج الوعي بالذات وهو الوعي الذي يجعلنا نؤمن بوجودنا الفعلي.”