( قلق ، نصوص تشاكس المنظومات القيمية )
كولاج تأويل كتاب (قلق) للكاتب المسرحي عمار نعمة جابر.
الناقد علي شبيب ورد/ العراق
منصَّةُ ولوجٍ:
نحن أناسٌ نعيش في عالم واقعيٍّ، وفق علاقاتٍ اجتماعية قائمة على مشاعر وأفكار تتشابه وتختلف، كالحبِّ والكره، والخير والشر، وسواها الكثير. والتي يجب أن تنظمها أعراف وقوانين اجتماعية، كي يسود السلم المجتمعي بين الأفراد على اختلاف مستوياتهم. وهذا العالم المعيش، هو خزين حكائي هائل من الحوادث ومن التداعيات المتواصلة في ولداتها وتجدّدها، وهي المرجع المغذّي لقصصٍ نرويها أو تروى لنا شفاهيا، أو نقرؤها كنصٍّ سرديٍّ في كتابٍ قصصي/ مسرحي/ روائي ما.

وفعل القراءة من قبل المتلقي، يُعَدُّ مكملا مهما للعمل الأدبي وغير الادبي، كونه يبحث عن خفايا رؤاه غير المكتملة. وكذلك محاولة منه، للتنقيب عن كنوزهِ التأويلية المطمورة، بغية إعادة تأويلها من جديد،اعتمادا على رؤاه، وعلى ما يتوفر له من خزين معرفي، يمكنه من ابتكار سياق تأويلي منتجٍ دلاليا، باعتباره مَنْ (يكمِّلُ العمل الأدبي، ويحوِّلُهُ الى دليلٍ للقراءةِ، بما فيه من مزايا غير قطعية وثروة تأويلية خبيئة، وقدرة على أن يُعادُ تأويله بطرقٍ جديدةٍ وفي سياقاتٍ تاريخية جديدةٍ)1.
وانطلاقا مما ورد أعلاه، نحاول أن نعيد قراءة وتأويل ما قرأه وما أوّله الكاتب المسرحي (عمار نعمة جابر) في نصوصه المنشورة في كتاب (قلق). وذلك من خلال التَّعَمّق في قراءة العبارات والجمل وغيرها في كل نص، لأنها (تحرك عند المتلقي الأسبابَ الحقيقيةَ للحصول على المعلومات، وتُبيِّن ترابطَ المعلومات فيما بينها، والمتجسِّدة على شكل أحداث ووقائع في النص الواحد)2. وسنعمل إجراءً فاحصا لأهم الملامح البارزة في النصوص، وفق أربعة كولاجات تأويل، واستدراك، وملحق رؤيوي، وكما يلي:
عتبة العنوان/كولاج تأويل أول:
عتبة العنوان من كلمة واحدة هي (قلقٌ) الانسان الأزلي الدائم لنيل رغبةٍ أو حاجةٍ أو تحقيق هدف، وقد يشتدُّ عند البعض لبعدِ المنال، فيتحول الى عادةٍ أو مرضٍ. وهو يعتمد على قوة إرادة الإنسان وثقافته وقدرته على تحمل المعاناة التي تواجهه على طريق تحقيق تلك الرغبات، والأماني. (هكذا هي إرادتنا، مستنفرة على الدوام لظمأٍ شديدٍ، تحركها الرّغبات، والعجالة، والقلق الدائم على منفعةٍ لا تمتلكها، وهي تعاني بشدة حين تتوقف الروحُ قليلا عند حقائق مجردة لا تلمسها، والتي تعتبرها غير قادرة على اسعادها. وهكذا فهي تحرك الروح وتدفعها على الدوام الى البحث عن أشياء أخرى)3. والقلق يختلف باختلاف الرغبات التي قد تكون خاصة أو عامة، أو يسيرة أو صعبة.وربما الرغبة مستحيلةً، فيكون القلق حينها ليس معقولا. (البنت: أفكِّرُ عندما أتزوجُ، سأطلبُ من زوجي أن يحملَ بطفلٍ./ الأب: يا إلهي، ما هذا! ولكن أجهزةُ الحَملِ عندكِ، كيف سيحملُ هو؟) وهناك أيضا، من القلق ما هو مهم وضرويٌّ، مثلا لتحقيق هدف، علمي أو فني أو لخدمةٍ عامةِ.
كرونوتوب النص/ كولاج تأويل ثانٍ:
في مصطلح (Chronotope) أو (كرونوتوب) مزجَ (ميخائيل باختين) بين عنصري (الزمان) و(المكان أو الفضاء) وذلك بسببِ عمقِ العلاقةِ السردية بينهما من جهة، وبينهما وبين الشخصيات خلال الأحداث من جهة أخرى. (العلاقة التقنية المجردة بين الفضاء والزمان. لذلك، فكلّ تغيير يطرأُ على أحد العنصرين ينجرُّ عنه تغييرٌ يطرأ على العنصر الآخر)4. وهذا التداخل (الزمكاني) المجازي، يشكل بنيةً (سيميائية/ دلالية)منظِّمةً للأحداث، في عالم الواقع وفي عالم الخيال السردي. وهو يشير الى كل التفاصيل المكانية والزمانية التي تحس بها وتدركها الشخصيات، وهذا ما كشفت عنه النصوص الماثلة كذلك، ففي نص (الوصية) مثلا، لاحظنا ترابطا بين أحداث الماضي والراهن، وكذلك بين الزمان والمكان والشخصيات. فالمسرح مقسّمٌ الى مستوى علوي في العمق يرمز للماضي، وآخر سفلي في المقدّمة يرمز للراهن، وحركة السرد المسرحي تتزامن مع أفعال جرتْ واقعيا. وما دوَّنهُ الكاتب يشير الى ذلك (ملاحظة: كل أفعال المرأة تتم بالتزامن مع حديث الشخصيات الأخرى) ص5.
الخلاص من الوجود/ كولاج تأويل ثالث:
أغلب النصوص تناولت فكرة (الخلاص من الوجود) وعبر خيارين: الأول خيار وجودٍ آخر، كما في نص (حضور فادح) إذْ تمرَّدَ المُهرِّجان وأوقفا العرض (مهرج2: إنه الحل المنطقي والوحيد، أيها المهرج، تعالَ معي تحرَّكْ، سنغلقُ كلَّ أضواء هذا السيرك الماجن، ونقدم عرضنا الخاص، بلا سلطتهم). أو بخيارات وجود أخرى في كلٍّ من النصوص (جِمالُ الليل) و (أوتو فوكس) و (بزوغ عند الألفية الثالثة) و (ندم). والثاني هو خيار العدم، كما في نصّ (سرير بإيقاعٍ ساخنٍ) فالإبن المعاق ينتحر للخلاص من معاناته (الابن: <وهو يموت> افرحي يا غاليتي، سأطيرُ بعيدا عن سريري) أو كما في نص (إعدام). وموقف خلاص الانسان من وجوده الذي لا يُطاق، هو نتيجة تراكم معاناته من صعوبة ظروف حياته. فيضطرُّ الى اختيار مكان وجود جديد لتغيير حياته، أو يلجأ الى خيار الموت، كحل نهائي رغم ضراوته. والبحث عن الحرية هو فعل إنساني أزلي يقوم بهِ، جراء شعوره بالجور الذي يكبِّلُهُ لأسباب شتى، ولا يمكن له إلّا التمرّد عليهِ كبشر يشعر بالحيف.
تمرّدُ المرأة/ كولاج تأويل رابع:
ما لمسناه أيضا هو انحياز الكاتب للمرأة في سعيها للتحرر من سلطة ذكورية المجتمع، جرّاء تنمّرَ الرجل كونه يتغذّى فطريا من نصوص موروثٍ (شفاهية/ مدونة) ترسّختْ عبر الزمن. والنقص البيولوجي لدى المرأة، يشكل عقدة اجتماعية، و (حتى ما يبدو ظاهريا إيماءات للمساواة بين الرجل والمرأة، إنّما هو تسوية مُذلّة أو مشبوهة منذ البداية، لأنها ستفترضُ مسبقا، وبصورة حتمية، أن النساء هنَّ في جانب العجز من سجل الموازنة وبأنّهُ ينقصهنَّ شيء ما <سواءً بالمعنى الاجتماعي أو الجنسي> وهو ما يمتلكهُ الرجال)5. وبعض النصوص الماثلة تناول تمرد المرأة ورفضها لذكورية النسق الاجتماعي، ففي نص (كولونيال) مثلا، الزوجات يقرِّرْنَ بيع الأعضاء التناسلية لأزواجهنَّ (امرأة 3: أصلا لا يهمّني رأي زوجي، ليذهبْ للجحيم، برضاه أو بعدمهِ ستتمُّ الصّفقة). وموقف تمرّد المرأة، نراه يختلف بتفاصيله في نصوص (الوصية) و (قلق) و (احتضار). وهذا السلوك الغرائبي هو نتيجة لوحشية الاقتصاد الاحتكاري المقيت، والتغيير الملحوظ في العلاقات الاجتماعية.
استدراك:
بعد كولاجاتنا أعلاه، فاتنا أن نشير الى أهم الملاحظات حول اشتغال الكاتب في هذه النصوص، وكما في أدناه:
– معظم النصوص قصيرة أو من ذوات الفصل الواحد بمشهدٍ أو ببضعة مشاهد. -معظم النصوص هي مشاريع عرض مقترحة من قبله، وهذا ما يمنحها فرصا شتى للانتشار والعرض.
– لم يهتم كثيرا بالملاحظات حول الديكور أو مناطق التمثيل، وترك الأمر للمخرج. – لم يكثر في ملاحظاته الإخراجية ما بين الأقواس، بل فسح المجال للمخرج، ليقرأ ويؤوّل حسب ما يراه هو، كي يشركه في الإجابة عن أسئلة النصوص، أو ربما يبتكر حلولا ممكنة للعُقَدِ النصّيةِ المطروحة. – الشخصيات مجردة من تفاصيل أوصافها، وهي نماذج ممثلة لفئاتٍ أو أنواعٍ أو أجناسٍ غير محددةٍ، على مستوى الأمكنة والأزمنة، كي يدومَ زمنُ تناولِه إخراجيا. كما أنها قليلة العدد،لتكونَ قابلة للزيادة قدر الممكن والمحتمل.
– الأمكنة والأزمنة غير محددة، لأن التحديد يقلل من احتمالات عرضها مستقبلا. – اللغة اعتمدت على بلاغة البساطة، بعيدا عن البلاغة اللغوية المعجمية التي لا يحبذها عامة الجمهور. – النصوص مفتوحة النهايات، ليشترك المخرج والجمهور في اقتراح نهاياتها.
ملحق رؤيوي:
لقد واجهنا نصوصا مسرحية جديرة بالاهتمام والعرض على خشبات المسارح، لما تنطوي عليه من قراءة وتأويل، لا تخلوان من عمق رؤيةٍ لمجريات الراهن، ونباهة تصورٍ لاحتمالات المستقبل. كما أن بعض النصوص تتجاوز نصوص ما بعد الحداثة فكريا، وذلك لما فيها من خرق لمنظومة القيم والتقاليد السائدة عراقيا، بفكرة طلب الزواج من قبل المرأة وليس الرجل. وفيها شكٌّ خارقٌ للفوارق البيولوجية بجرأة لا معقولة، لأنها تدعو الى أن يحمل الرجل وليس المرأة.
كما أنها وبجرأة شاكست الموروث الديني، وذلك باستحضار مَلَكِ الحسنات ومَلَكِ السيِّئات، اللذين تجاوزا الصلاحيات السماوية، في محاولتِهما طلب المغفرة للموتى. ومع أن ظاهرة تجارة الأعضاء أصبحت رائجة عالميا، غير أن الكاتب تناولها بأسلوب تهكمي فاضحٍ، لإدانتها من خلال تآمر الزوجات على بيع أعضاء أزواجهنَّ التناسلية. وهذا الخطاب المشاكس في بعض النصوص، يُحيلنا الى خطاب ما بعد الحداثة الذي يحاول (إيجاد قيم بديلة من مبادئ التنوير والعقلانية والتقدم الاجتماعي لإعلان تهاوي الحضارة العقلانية التي نادى بها عصر التنوير، مُعبّرا عنها بأفكارٍ وحركاتٍ راديكاليةٍ متعدَّدَةٍ في الأدبِ والفنِّ والثقافة والعلومِ الإنسانية، ومؤكِّدا على مفاهيم التَّعَدُّدِيَّةِ والاختلافِ وتنامي الهويات القومية)6.
إنَّ كتاب (قلق) للكاتب المسرحي (عمار نعمة جابر) لا يخلو من تحوِّلٍ ملموس في الأسلوب عن إصداراته السابقة، وذلك من خلال تبنيه لأفكارٍ واخزة مشاكسة للمنظومات القيَمِية، والفكرية، والبيولوجية والدينية، المتعارف عليها. وذلك محاولة منه للتجديد، انسجاما مع التحولات الاجتماعية الجديدة، وعلى المستويات كافة. وقد أدهشنا حقا، بدعوته المنتهِكةِ لإمبراطورية الذكورة الدكتاتورية، المتجبِّرةِ على الأنوثة، كم هو مضحكٌ وغريبٌ أن نرى كرشَ رجلٍ حاملٍ في الشهر التاسع!.
—————————-
1-كتاب (الوجود والزمان والسرد – فلسفة بول ريكور) تحرير ديفيد وورد/ ترجمة وتقديم: سعيد الغانمي/ المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء وبيروت 1999/ ط1/ ص48.
2- كتاب (النص والخطاب) شتيفان هابشايد/ ترجمة: د. موفق محمد جواد المصلح/ دار المأمون للترجمة والنشر/ بغداد 2013/ ط1/ ص65.
3- كتاب (نصوص فلسفية مختارة) أرمان كوفيليه/ بيت الحكمة/ بغداد 2006/ ص245.
4- انظر Chronotope(معجم السرديات) مجموعة من المؤلفين/ الرابطة الدولية للناشرين المستقلين/ تونس 2010/ ط1/ ص355.
5- كتاب (خمسون مفكرا أساسيا معاصرا) جون ليشته/ المنظمة العربية للترجمة/ بيروت 2008/ ط1/ ص330.
6- كتاب (النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة) إبراهيم الحيدري/ دار الساقي/ بيروت 2012/ ط1/ ص390.