قراءة في النص المسرحي ( بعد يوم القيامة ) للكاتب العراقي عمار نعمه جابر
بقلم: الناقد الأستاذ :حسام الدين مسعد /مصر
على جسر مهجور، “بين ضفة محترقة وضفة خضراء”، يلتقي ثلاثة رجال لا يحملون أسماء، لكنهم محمّلون بكل رموز السلطة، والخذلان، والانهيار. مسرحية “بعد يوم القيامة” ليست مجرد نص مسرحي قصير ،صاغه الكاتب العراقي عمار نعمة جابر ليُجسد فيه سقوط النظام، بل محكمة فلسفية وجودية تُعيد مساءلة كل المسلّمات: من الدين إلى السياسة، من المثقف إلى المتسول، من الخطاب إلى الرغيف.
هذا النص يطرح سؤالًا وجوديًا حادًّا: ماذا يبقى من السلطة، حين يُسلب منها صوتها المقدّس، وتُحاصر بأسئلة الجائعين؟
بهذا المعنى، لا تقف المسرحية عند حدود العبث أو السياسة، بل تغوص في تفكيك المعنى ذاته، وتترك المتفرّج أمام اختبار داخلي يطرح على نفسه السؤال: هل ما زلت تؤمن بأن أحدًا سيأتي لينقذك؟،لكن بأثارة هذا السؤال تنبثق تسأولات عديدة حين يشرع القارئ في كشف أغوار النص وجوهره،فمن يحاكم مَن؟ ومن يملك الحقيقة؟
رجل الدين (رجل 1) ورجل السياسة (رجل 3) يدخلان المسرح مهزومين، لا ليفرضا سلطتهما، بل ليبرّرا سقوطها، أما المتسول (رجل 2) — هذا الكائن البسيط المهمّش — فيغدو صوت الضمير الجمعي، لا يطالب بإعدام الجناة، بل بوجبة ساخنة!
لكن المفارقة الحجاجية هنا أن الحوار لا يجري بالعنف، بل بالفكر.
إذ أن رجل 1 يعاني أزمة سقوط القيم،ورجل 3 يعاني من تهاوي الهيبة،اما رجل 2 يملك فقط قدرة الإنصات والحكمة.
وكأن النص يسأل قارئه: هل السلطة تنهار حين تسقط، أم حين تفقد ثقة البسطاء بها؟
في عالم ما بعد “القيامة”، كما صاغه عمار، نحن ننتظر، لكن لا شيء يحدث،فالبحر “هادئ”،و الموت “مؤجل”، والانتحار “فكرة”، لكن لا قرار.
هنا تظهر تأثيرات مسرح العبث (بيكيت، كامو، سارتر): الزمن معلّق، المكان رمزي (الجسر)، الحوار تكراري، واللاجدوى تحاصر الجميع،لكن خلف هذه العبثية، يكمن احتجاج صامت يثير السؤال: هل نحتاج كارثة لكي نبدأ السؤال؟ام هل نهايتنا الحقيقة تكون عندما نكف عن الغضب ونبدأ التأقلم مع السقوط؟ ام كيف لنا أن نجابه هذا العبث ؟

الحوار المسرحي في هذا النص يُقوّض مركزية البطل، لا أحد يحمل اسمًا، لا أحد يحمل الحل.
لكن رجل 2، المتسول، هو الوحيد الذي لم ينهزم، لأنه لم يكن شريكًا في الوهم، فهو الباقي بعد الزيف، الساخر من الجحيم، الباحث عن فكة ليركب القارب لا لينتحر، بل ليواصل الحياة،وهنا تتجلى عبقرية النص في قلب السلطة رأسًا على عقب: من الأعلى إلى الأسفل، من المنصّة إلى الشارع، من المذبح إلى الرصيف.
إننا أمام نص لا يبحث عن مخلّص، بل يعيد الإنسان العادي إلى مركز المسرح.
لكن القارئ سيظل يسأل عن ما دلالة “بعد يوم القيامة” كعنوان للنص؟
العنوان نفسه هو فرضية حجاجية،فالقيامة حدث يُفترض أنه نهاية كل شيء، لكن المسرحية تخبرنا بعكس ذلك :
“بعد القيامة” تبدأ الحقيقة المطلقة،لا الحقيقة النسبية، وتسقط الأقنعة، ونتعرّى أمام ضمائرنا،فالنص لا يُدين الرموز، بل يُظهر هشاشتها حين تتجرّد من أسطورتها،لكن ما الذي يبقى بعد سقوط كل شيء؟
“بعد يوم القيامة” ليست نهاية، بل بداية: بداية التساؤل، بداية المساءلة، بداية إعادة تعريف المعنى،فالنص يُعيد ترتيب القيم من جديد، ويخبرنا: أن الجوع أقوى من الخطب،وان الكرامة لا تُشترى بالدين ولا بالوطنية،وأن الإنسان، هذا الذي نُهمل اسمه، هو من يحمل المفتاح.
أخيرًا: يقدّم لنا عمار نعمة جابر بطلًا جائعًا، ساخرًا، متعبًا… لكنه صادق،فهل نملك نحن جرأة الإصغاء له… قبل أن يسقط الجسر؟.