مسرحية عشبة الخلود

 اللوح العاشر  /

( المكان / هي نفسها .. ذات الحانة في اللوح العاشر لملحمة جلجامش .. وصاحبتها سدوري .. حيث تغفو الحانة على ساحل البحر ..

  الزمان /  زمن الملك جلجامش .. ذلك الممتد في  جنوب بلاد الرافدين، والباقي على طول  الايام ..

  الحالة /  إحساسنا الجمعي ، بالحاجة الى سفينة أوتو –نبشتم لتنقذ ما تبقى فينا ..  

  التوسل / أوتو.. يا نبشتم .. هذا الطوفان .. سيأكل أطفالنا .. تعال .. تعال لتسمع اوجاعنا )

( يدخل جلجامش .. صاحب الجسد الكبير .. وهو يرتدي لباساً من الجلود .. وجهه أشعث كمن سافر سفرا طويلا .. يبدو عليه العناء والتعب .. جلجامش ذلك الجسد الذي نفخ الاله فيه من روحه نفختين : نفخة للمعرفة والحب .. ونفخة أخرى
للبحث عن الخلود .. )

جلجامش : ( يضرب باب الحانة بقوة ويدخل .. ينظر في جميع الاتجاهات.. يتحدث مع سدوري)
ما الذي أنكرتِ فيّ ..  يا صاحبة الحانة ، حتى
أوصدت بابك بوجهي ، وأحكمت إغلاقه 
بالمزلاج .. ! ( يتحرك باتجاه سدوري )

سدوري : (تتراجع الى الخلف  ، وهي تنظر الى جلجامش ) في وجهك رأيت القاتل ..
فأوصدت الباب بالمزلاج ..

جلجامش : ( يتوقف ) لا تخافي .. مات القاتل فيّ .. وصرت ضحية ..  

سدوري : القاتل فينا وحش كاسر .. لا يُهزَم ..
أيها الرجل الغريب ..

جلجامش :  انا لست غريبا يا صاحبة الحانة ..أنا جلجامش .. أنا ( تقاطعه سدوري )

سدوري : جلجامش ! ومن لا يعرفك أيها
الملك .. أنت الذي قبضت على الثور الذي نزل من السماء .. وقتلته .. وغلبت حارس
الغابة .. وقهرت خمبابا ..      ( تنحني )
جلجامش يا بقايا السلالات .. وملك الارض .. وسلطان كل الرجال ..

جلجامش : ( ينهار على الكرسي .. بألم ) وهل
لا زلت حقا جلجامش ! .. جلجامش الذي قتل حارس الغابة .. وغلب خمبابا الذي يعيش في
غابة الارز .. !

سدوري  : ( ترفع رأسها ) نعم .. وأنت من قتل الأسود في مفازات الجبال .. وأمسك بثور السماء وقتله .. جلجامش ابن الجنوب ..

جلجامش : أنا لست جلجامش يا صاحبة الحانة .

سدوري  : ألست جلجامش  ؟!

جلجامش : نعم ..  أنا ما تبقى من جلجامش ..

سدوري :ماذا حل بك .. لقد ذبلت وجنتاك .. ولاح الغم على وجهك .. وعلا ملك الحزن قلبك ..
وتبدلت هيئتك .. لمَ صار وجهك اشعثاً ، كوجه من سافر سفرا طويلا .. وكيف لفح وجهك
حرُّ الجنوب ، وحزن الرافدين والهور ؟

جلجامش: كيف لا تذبل وجنتاي .. ويمتقع
وجهي .. ويملأ الأسى والحزن قلبي وتتبدل هيئتي .. فيصير وجهي أشعثاً كمن أنهكه
السفر الطويل .. ويلفح وجهي الحر ، وأهيم على وجهي في الصحارى ؟

سدوري : أخبرني لمَ كل هذا .. ماذا حصل
لك أيها الجنوبي الحزين .. ؟

جلجامش : كيف لا يا صاحبة الحانة .. والحزن
يأكل حشاشة قلبي .. ويمزق أعماق روحي منذ عشر سنوات ..

سدوري : أخبرني بما يجول في خاطرك ..

جلجامش : ولدي انكيدو يا صاحبة الحانة ..

سدوري  : ولدك انكيدو  ! 

جلجامش : نعم.. ولدي انكيدو .. أصابه المرض ..

سدوري : ومن أي شيء يشكو هذا الأمير السومري الصغير .. ؟

جلجامش: ولدي انكيدو معلقٌ بين السماء والارض ..

سدوري : معلق بين السماء والارض ! ماذا تقصد يا مولاي ؟

جلجامش : انكيدو هذا الطفل الصغير .. فتكت به لعنات حكم الطغاة .. وأكلت أيامه  أمراض لا يعرف لها العرّافون طريقاً ..

سدوري : والأطباء والصيادلة .. يا سيدي.. ؟

جلجامش: عجزوا ، مثل أي كاهن أو مقدس
آخر .. كلهم وقفوا عاجزين أمام الآم انكيدو .. ولدي انكيدو العزيز .. ( ينهار )

سدوري: ( تتحرك نحو جلجامش ) تماسك يا
مولاي .. تماسك ..

جلجامش: ( بحزن شديد ) كنت أنتظر أن يكون
مصيره .. كمصير فرسان بلاد الرافدين .. يصطاد الحمر الوحشية ، والنمور في الصحاري
.. ويتغلب على كل الصعاب .. ويغلب كل خمبابا ، يظهر ليمس الجنوب بسوء ..

سدوري: قلبي يشفق على حالك .. يا سيد
البلاد ..

جلجامش: ( يحدث نفسه ) عشر سنوات يا
انكيدو .. يا ولدي العزيز .. (يتحدث مع سدوري ) لقد بكيته في المساء .. وفي النهار
.. ندبته عشر سنوات .. معللا نفسي ، بأنه سيقوم من كثرة بكائي ونواحي .. يقوم عن عربة
المعاقين التي يجلس فيها .. وامتنعت عن اليأس ، ليقيني أنه سينطق في يوم ما ، بأحلى
الكلمات .. لأسمع وقع الكلمات على شفتيه ..  

سدوري : قلبك ينزف .. وروحك تأكلها الالآم .. وعينك جف فيها الدمع يا جلجامش .

جلجامش: (يتحرك ) افزعني أنه بلا قدمين .. وبلا كلمات .. فهِمْتُ على وجهي في الصحاري .. إن النازلة التي نزلت بولدي انكيدو تقض مضجعي .. لقد أصبح انكيدو الذي أحببت كسيحا
تحمله العربات .. وتثقل عليه الكلمات ، فتنقذ حيرته ، إشارة من يديه .. ولمحة من
نظرات عينيه ..

سدوري:مسكين أنكيدو .. ومسكين أنت يا جلجامش ..

جلجامش: معلق أنكيدو بين السماء والأرض .. لا يشفى فيهنأ بأيامه .. ولا ترضى أن تتوقف الآمه ..ويرتاح ..

سدوري: وهل لك أن تتحمل روحك ، رحيل
انكيدو عنك ..

جلجامش: لا .. لا يمكنني ذلك .. سأموت حزنا
عليه .. ولكن كم أرجو أن يرتاح من الآمه .. حتى لو فتح الحزن أبواب جهنم ،على قلبي الذي يهوى انكيدو ، ولا يتحمل فراقه .

سدوري: وماذا يمكنني أن أفعل من أجلك يا جلجامش الحزين ،  ومن أجل انكيدو ؟

جلجامش: ( يتحرك ) يا صاحبة الحانة ..
ولدي انكيدو يموت كل يوم .. ولا يموت .. تمسكه أعراض الشلل ، فيُصرع مثل السمكة ، السمكة التي يُخرجها الصياد من الماء .. فيرتعش كل جسده الغض الصغير .. ويهتز .. ويهتز ..
فابكي ( يبكي ) .. وأبكي .. ثم تبيض عيناه وتدمع .. فابكي وأبكي .. ثم تزرق شفاهه
… فأمسك كلتا يديه ، وأنا أبكي  .. فتدمع
عيناه أكثر .. فيصل بروحه على حافة قبضة عزرائيل .. و .. ( يتوقف )

سدوري: ثم ماذا يحصل يا مولاي ؟

جلجامش: ( بألم ) يشهق شهقة ، تعيد له كل
حياة الدنيا .. ويرجعه الله اليّ .. فأمسح دمعي وأحضن انكيدو .. وأَحمدُ  .. لأن الله شاهد دموعي ، ودموع انكيدو .. وأجَّلَ
الرحيل ليومٍ آخر ..

سدوري: مسكين أنت يا جلجامش ..

جلجامش:  يا صاحبة الحانة .. هل في مقدوري أن أنقذ روح انكيدو .. ؟

سدوري: الى اين تسعى يا جلجامش ؟ إن
القدر الذي تبغي لن تجد .. فحينما خلق الله البشر ، قدر له أقدارا كان أشدها الموت
.. واستأثر الله سبحانه وحده بالخلود .. فاسمع عني .. لن تقدر أن تغير أقدارك ..
اذا لم يأذن الله بذلك .. امتحانك صعب في هذه الدنيا .. حاول أن تعرف كيف تحيا مع
الحزن ومع الالام وتتغلب عليها .. فلتكن معدتك مملوءة بالطعام .. وكن فرحا مبتهجا مساءا
.. وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك .. وارقص .. والعب مساءا ونهارا .. واجعل
ثيابك نظيفة زاهية .. واغسل رأسك واستحم بالماء .. ودلل الصغير انكيدو .. وافرح
الزوجة التي بين احضانك .. فهذا هو نصيبك من الدنيا ..

جلجامش: سدوري .. يا صاحبة الحانة ..
رفقا بقلبي .. أ تريدين من روح جلجامش ، أن ترقص وتفرح ، وتملأ جسدها بالطعام ..
وانكيدو يتعذب كل يوم ..

سدوري:وهل يصح أيها الجنوبي العاقل ، أن تتوقف كل حياتك هكذا ؟  .. لا يصح ذلك .. أنت رجل مؤمن بالأقدار .. وما تحويه الأقدار من احزان .. ليس بيدك شيء ..

جلجامش: يا صاحبة الحانة أنا أعرف .. أقداري
لا يغيرها إلا رجل واحد ..

سدوري: ( بتعجب ) رجل واحد !

جلجامش: نعم .. رجل واحد .. لا غيره ..

سدوري: ومن هذا الرجل القادر ، على تغيير
الاقدار .. ؟

جلجامش: أنا مؤمن به وبأقداره .. كنت
منتظرا أن يأتي .. لكنه تأخر .. 

سدوري: أ تقصد اوتو –  نبشتم ؟!

جلجامش: إنتظرت ظهوره ليُخلص اُنكيدو ..
لكنه تأخر ..

سدوري: صدقت .. لقد تأخر كثيرا ..

جلجامش: نعم .. حتى كاد اليأس يأكلنا ..

سدوري: قد يكون مسيحا آخر ..  ؟

جلجامش: اوتو – نبشتم .. سيعود حتما من
أجلنا جميعا .. لا يمكنكِ أن تلغي كل الافكار التي تخبرنا عن رجوعه .. فرجوعه يعني
أن نحتمل القهر ، ونصبر على المر .. حضوره يعني ميزان العدل .. سيعدل .. في هذه
الغابة التي نسميها الدنيا .. وحضوره سيكمل كل الاحداث ، التي لم تكتمل منذ آلاف
السنين ، ولعشرات من الاجيال .. حضوره سيضع حدا لكل المهازل .. سيعيد البسمة
والضحكات ، سيبرئ الأكمه والابرص والاعمى .. ويقتل فينا كل الطمع وآفات الجشع ، وحب
المال ، وروح القتل وثعابين الشر ، والشيطان .

سدوري : أوتو – نبشتم .. موعد ظهوره مرة
أخرى قد يتأخر .. من يدري .. قد يظهر بعدنا بألف الف  عام ..  

جلجامش: وقد يعود ليظهر بيننا الآن ..
يظهر لنا .. ويُشفي أنكيدو من آلامه ..

سدوري: واذا لم يتحقق ذلك .. وتأخر
اوتو – نبشتم ؟

جلجامش: سأذهب اليه ..

سدوري: ماذا !

جلجامش: نعم .. سأذهب اليه ..

سدوري: ماذا تقول يا جلجامش .. ؟ أ جننت ؟ من يقدر أن يراه !

جلجامش: من أجل  انكيدو سأفعل أي شيء .. أنا بحاجة الى عشبة الخلود .. عشبة تشفي ولدي انكيدو .. و..

سدوري: ماذا لو كانت عشبة الخلود حكاية
أطفال .. حكاية ترويها العجائز ، لينام الاطفال على موسيقاها  ؟ .. اسطورة من نسج خيال المقهورين .. والثكالى بأغلى الناس لديهم . 

جلجامش: لي شرف المحاولة  ، وربما أجد سببا لتجف دموعي على انكيدو ..

سدوري: يا جلجامش .. ايها الممتحن بأغلى ما تملك .. أ اصابك المس يا مولاي .. أ هناك أحد قبلك فكر في أن يلتقي باوتو – نبشتم ؟ ..
صدقني لم يعبر البحر قبلك أحد .. ان العبور شاق وعسير .. وما عساك أن تصنع لما
تبلغ مياه الموت العميقة ؟

جلجامش: ( يتحرك نحو سدوري ) يا صاحبة
الحانة .. لقد جئت اليك من أجل ان تدليني على طريق الوصول

سدوري: طريق وعر .. وطويل ..

جلجامش: من أجل انكيدو .. وعشبة الخلود
.. سأسير فيه حتى أصل ..

سدوري: حسنا إصرارك يربكني … يربك
كل من حولك .. لا ترضى أن تستسلم .. وبذلك تثبت كل مساء أنك جلجامش .. إسمع ..
هناك اور – شنابي وهو ملاح اوتو – نبشتم .. وهو الوحيد الذي يملك معرفة الطريق ..
ولديه خارطة الوصول ..

جلجامش: واين أجد اور – شنابي ؟

سدوري: هو الآن في الغابة يحصد الزرع
.. فعسى أن تعثر عليه .. ويدلك على الطريق .. أور – شنابي هو أملك الوحيد ..

( يدفع اور – شنابي باب الحانة بقوة .. ويدخل )

اور – شنابي: أسمع أحدهم يذكر أسمي .. هنا في
حانة سدوري ..

( جلجامش وسدوري .. يلتفتان الى الباب .. ويذهلان )

اور – شنابي: اتمنى أن لا يكون منظر اور – شنابي قد افزعكما ..

سدوري: اذهلتنا الصدمة ..وصنيع الاقدار
بنا ..

اور – شنابي: وهل كان صنيع الاقدار جميلا .. أم
أرجع من حيث أتيت ؟

سدوري: كان جميلا جدا يا ملاح ..

اور – شنابي: جميل جدا ؟ .. يسعدني ذلك حقا ..
كنت عطشاناً ودخلت لأشرب .

سدوري: لك أن ترتاح يا سيدي .. فنحن
نبحث عنك ..

اور – شنابي: أنت تبحثين عني ؟

سدوري: لست أنا .. بل هذا الرجل  ..

( يرفع اور – نبشتم عينيه ويبصر جلجامش يقف في طرف الحانة )

اور – شنابي: اسمي أور – شنابي .. من التابعين
لاوتو – نبشتم القاصي .. من أنت ؟ وماذا تريد مني ؟ لمَ تبحث عني ؟

( يتحرك جلجامش .. ليقف قبالة اور – شنابي )

جلجامش: اسمي جلجامش .. قدمت من اوروك .. من إي –أنّا .. واجتزت البحار .. وركبت الأسفار الطويلة من مطلع الشمس .. ابحث كي اراك .

اور – شنابي: وما حاجتك عندي يا جلجامش ؟

جلجامش: دلّني على اوتو – نبشتم ..

اور – شنابي: اوتو – نبشتم !

جلجامش: نعم .. أنت الوحيد الذي يعرف
مكانه ..

اور – شنابي: جلجامش .. ماذا تقول ؟

جلجامش: اتوسل اليك .. اي شيء من أجل أن اراه .. اتوسل اليك .

اور – شنابي: وماذا تعرف أنت عن اوتو – نبشتم يا جلجامش ؟

جلجامش: أعرف أن الله قد وهبه الحياة
الأبدية .. فلا مرض يصيبه ولا سقم .. وأودع في يديه علوم الأولين والآخرين .. وبين يديه أسرار الانبياء والأوصياء والصالحين .. حي يرزق ..

اور – شنابي: نعم أنت على حق .. ولكن .. أ تعرف أنه يعيش بيننا ؟

جلجامش: يعيش بيننا !

اور – شنابي: نعم .. اوتو – نبشتم يعيش بيننا ..
ويمكن أن تعثر عليه في كل مكان .. وفي أي ساعة ..

جلجامش: لكنهم أخبروني أنه يعيش في
جنوب البلاد .. وقد شاهده الكثير .. ولكني لا أعرف أين هو .. ولا أعرف الطريق الذي
يدلني عليه ..

اور – شنابي: كل الناس هنا ،  يعرفون أنه موجود  ..الجميع يطمع بطعم الحياة بين يديه .. كلهم يريدون لقاءه ..

جلجامش: لقد جئت من مكان بعيد .. أرغب
في لقاءه ..

اور – شنابي: يا سيدي .. ربما هو يسمعك الآن .. من يدري ..

جلجامش: يسمعني !

اور – شنابي: نعم ربما يسمعني ويسمعك .. معجزة هو من بقايا المعاجز التي نزلت مع الانبياء .. وكلهم بشروا باوتو – نبشتم ..
وبغيابه .. وعودته مرة اخرى .. هو فيض السماء الذي ننتظره جميعا يا سيدي ..

جلجامش: ومن أجل كل ذلك أرغب في لقاءه
.. أرجوك ..

اور – شنابي: لمَ ذبلت وجنتاك .. وامتقع وجهك ..؟ وعلام غمر الحزن قلبك .. وتبدلت هيئتك .. فصار وجهك اشعثاً كمن عانى الاسفار
الطويلة ؟ .. ولمَ لفح وجهك الحر والقهر .. وهمت على وجهك في الصحاري ؟

جلجامش: يا اور – شنابي .. كيف لا تذبل
وجنتاي ويمتقع وجهي ، ويغمر الحزن والاسى قلبي وتتبدل هيئتي ؟ .. وكيف لا يصير
وجهي اشعثاً كمن أنهكه السفر الطويل .. وأهيم على وجهي في الصحاري ؟ ان ولدي
وحبيبي وقرة عيني انكيدو تأكله الآفات والأسقام ؟ ولدي الذي كنت أرجو أن يطارد حمار الوحش في البرية .. ويصطاد النمور في
الصحارى .. ويتغلب على كل الصعاب ويرتقي أعالي الجبال .. ويمسك بألف ثور سماوي
ويقتله .. ويقهر الف الف خمبابا ممن يسكنون في غابة الارز .. ولدي الذي احببته حبا
جما .. والذي كنت انتظر ان يشاطرني كل الصعاب .. صار مقعدا على عربة للعاجزين ..
لقد بكيته لعشر سنين .. ان النازلة التي حلت بصغيري قد اوهنتني واقضت مضجعي ..
فهمت على وجهي  في المسافات البعيدة في
الصحاري .. اذ كيف اهدأ ويقر لي قرار .. وولدي انكيدو المسكين لا يملك اقداما
ليمشي .. ولا يعرف كيف ينطق ..

اور – شنابي: تفطر قلبي لحالك أيها الاب المثكل ..

جلجامش: يا اور – شنابي .. أين الطريق
الى اوتو – نبشتم ؟ أين الاتجاه اليه ؟ دلني على الطريق اليه .. فسأعبر البحار
حتى  استطيع الوصول  .. ولكن اذا تعذر بلوغ مرادي ، فسأظل اجول  الدنيا بحثا عن من يداوي انكيدو .. ويخلصه من
الآمه ..

اور – شنابي: يا جلجامش .. يداك هما اللتان قد
تمنعاك من عبور البحر .. اذا حطمت صور الحجر وأتلفتها .. واذا تحطمت صور الحجر ..
لن تتمكن من العبور .. والان خذ الفأس بيدك يا جلجامش .. وانحدر الى الغابة واقتطع
منها مائة وعشرين مرديا طول كل منها ستون ذراعا .. وإطليها بالقير ، واجعل في
اعقابها الازجاج ..

جلجامش: سأفعل كل ما تطلب مني يا سيدي.. 
ولكن أين ستكون وجهتنا؟

اور – شنابي: عند الجودي .. يا جلجامش..

جلجامش: الجودي ؟

اور – شنابي: نعم .. حيث رست السفينة .. وعاش المؤمنون الاوائل ..

جلجامش: وفي اي يوم نلتقي اوتو – نبشتم؟

اور – شنابي: ستلتقيه بعد غروب شمس الثلاثاء الأربعين. حيث ستبقى اربعين ثلاثاء   هناك .. تدعوه للحضور كل غروب .. لا تنسى اربعون ثلاثاء ، بعد الغروب ..   

جلجامش: وفي اي مكان سيكون اللقاء يا سيدي؟

اور – شنابي: في مكان يسمى السهلة .  لا تقلق سنعرف كيف نصل اليه..  لا تقلق..

جلجامش: وهل سنجد اتو – نبشتم هناك؟

اور – شنابي: سينظر الى قلبك والى اخلاصك.. وحين يراك مؤهلا ستراه يقف امامك.

جلجامش.           : سأمنحه روحي ، وكل اخلاصي .. كي تكحل عيني
بطلعته المشرقة  .. واطلب منه أن
يمر بيده الرحيمة ، على جراحات انكيدو .. فيرتد راكضا بين اصدقائه ، خلف كرتهم المدورة
.. ويقف ليلقي في مدرسته خطبة بليغة ، عن كل الحضارات .. انا متأكد أنه لن يرد توسلاتي
من أجل أنكيدو ..

اور – شنابي: ابذل قصارى جهدك .. فاذا احبك اوتو– نبشتم سيقابلك .. والحب يحتاج الى التضحية والاصرار .. اذهب يا جلجامش الآن ..
ولا تنسى ما أوصيتك به ..

جلجامش: حسنا .. الى اللقاء ..

( يخرج جلجامش ..مسرعا )

رحلة جلجامش /

 

( المكان / شاطئ نهر الفرات العظيم .

الزمان / بعد أن أغتسل جلجامش في النهر الخالد . متأهباً لرحلة السمو والارتقاء .

يدخل جلجامش بأثواب الزاهدين ، أثواب بيضاء )

جلجامش: هو الذي ، يريد أن يرى ، تجلى حيث المياهٌ النقيةٌ، المياهٌ المشرقةٌ ، مياه نهري دجلة والفرات ، سبع مرات، سبع مرات ( يتحرك ) جلجامش قد غطس في روح  الماء ، جلجامش قد تطَهَّر ، جلجامش قد تنقّى . يا مردوخ ، عسى أن تكون كلمة الحياة مواتية ! يا مردوخ، عسى أن تكون أوامرك ملائمة ! ( يتحرك ) أعرف أن وراءك مصدر مياه إنكي رب أريدو . حيث مياه البحر، البحار الواسعة ، ولكن عليك أن تتطهّر بالمياه النقية لدجلة والفرات ، التي تأتي من مصادرها في جبل حصار . جلجامش لا يتطهّر الا بمياه الفرات، المياه المقدسة من الفرات، والتي بفضلها قام مردوخ بتطهير الرجل المريض . هو الماء الذي قاده إنكي من الجبل العظيم ،المياه التي أنزلها أنكي نقية من الجبل الى الفرات ، المياه التي نَزلتْ في آبسو العميقة ، لغرض التطهير ،إنها نُتاجْ التعويذة والسحر الذي قام به إنكي ، ملك المياه العميقة النقية . أغطس بجسدي المنهك والذي أكله حزن انكيدو ، أغطس سبع مرات بالمياه المقدسة ، مياه الفرات ، المياه التي إنكي ، ذلك الماعز البري ، أعدّها بإخلاص ، والتي طهّرها فم إنكي المقدس .

( يدخل رجل عجوز طاعن في السن ، يلاحظ جلجامش وهو يتلو صلواته )

العجوز : من أنت أيها الجسد المهيب الذي يتلو صلواته عند الفرات .

جلجامش: أنا ، أنا مجرد عاجز ، يرغب في الطهر في مياه الفرات العظيم  .

العجوز : وجهك الشاحب من الحزن ، ليس غريبا عني ، ربما أكلتني سنين العمر الطويلة ، وضاعت مني حفيظتي ، لكن هذا الجسد الهائل ، رغم الحزن يبدو لي ، أنني لمحته أكثر من مرة ، ببصري الضعيف .

جلجامش: إذا كان لديك كلمات تنصح فيها من يرغب في الطهر والصلاة فقلها لي ، وإلا فاتركني وحدي ألتمس الطريق ، بحثا عن الوصول .

العجوز : منطقك ، منطق الملوك ، وأنت ترتجي أن تبدو بثياب العبودية ، لا يجتمع الامران في جسد واحد . التكبر والرفعة هلاك قبل الوصول الى ما ترجو ، اذا ارتفعت في الجو بعيدا ، فلن ترى لون السحر في زهور اوروك ، ولا تلمس طعم الندى من على سعف النخيل ، عند التقاء دجلة بالفرات  . اذا تكبرت لن تستطيع أن تقاسم الصياد ، طعم شواء السمك عند جزر الاهوار المتناثرة كاللؤلؤ على وجه الفردوس ، لن تسمع صوت طفل الانسان الفقير يبكي من الجوع . عندها أيها المترفع المزهو ، لن تُفتّح السماء أبوابها لك ، ولن تسمعك الأشجار والطيور والجبال والقصب .

جلجامش : الا ترى أنني أغتسل بالفرات ، أتطهر بطينه الحرّي ، وبالبردي !

العجوز : لن يمتزج طينك ، يا ابن أديم الأرض ، بطينة الفرات . ستنفر الأرض وما عليها ، من نتانة الاعمال ، من سوء ما اسلفت ، من خسيس ما فعلت . الطهر طهران ، لا طهر واحد ، طهر للروح من سيء الصفات والاعمال ، وطهر جليل هنا ، عند شاطئ الفرات .

جلجامش: أيها العبد الصالح ، إن كنت لا تعرفني  ، فإنني .. ( يقاطعه العجوز )

العجوز: عرفتك ، من لكنة الكلام ، وانفك المرفوع ، من نظرة العينين التي ، نصفها يحدق في السلطة ، ونصفه ينظر في الغيوم ، عرفتك يا جلجامش المسكين ، يا مسكين .

جلجامش: مسكين ! لكنني جلجامش الذي بنى الاسوار ، وعمّر القلاع والحصون والجيوش ، وأمتد ملكه العظيم .

العجوز: وهل قدرت رغم ما فيك ، ورغم ما عندك ، أن تنقذ طفلك الصغير ؟

جلجامش: ( ينهار ) وها أنا ذا ، محطم كما سفيفة القصب ، وقد داستها الدواب .

العجوز : أنظر إلي ، كم أنا قد حييت ، كم أنا ممتد على طول الحياة ، سأعلمك الدروس أيها الملك الشقي ، فاتبعني ، دون أن تطيل في السؤال ، ربما سأخبرك بعد حين ، أو أترك الحياة تخبرك ، بطريقة العقاب .

جلجامش: سأتبعك على أن تعلمني مما علمت . وأصبر كما الصغار ، على مرارة التعليم ، وذل الطاعة ، طاعة العبيد .

العجوز: ( يتلو ) سحابة العاصفة ، راسخةٌ بقوةٍ على الأرض ، قلبها غامضٌ ، هي كلمة آنو، أنليل، إنكي . أن كلمته التي جاءت من فوق ، تَهُزُّ السماوات ، أما كلمته التي في الأسفل تُزلزلْ الأرض . لا بَصيرٌ لكلمته، لا يمكن التنبؤ بحقيقة المعنى فيها ، فلا مُفسِّر لأحلامه ، ولا لكلماته . ( يتحرك ) كلماته تلك التي تَهُزُّ السماوات ، وتُسبّب الزلازل ، مثل حصيرة مطويّة تكتسح الصحراء . يا جلجامش ، كلمة الرب تقتل عُشب الأهوار في بركها ، كلمته تُغرقْ المحاصيل وهي في سيقانها . كلمة الرّب، مياه الفيضان التي تَطغى على الضفاف ، كلمته، مياهٌ ضخمةٌ، تَخرق أرصفة الموانئ ، كلمته تَقلع الأشجار العظيمة ، كلمته تُطيح بكل شيء لتسلّمهُ للعاصفة ، كلمة إنليل تتبني مالا عينٌ رأت . كلمته تأسر الجبال ، بل الجبال هي كلمته ، كلمة الجبار إذاً من الجبال ! عندما قيلت كلمته إلى فتى وفتاة وسط الوديان ، بقيا كما الحمام  ينوحان ، كلمته تمشي بهدوء ، لكنها تحطًم الجبال ، كلمته تمشي بشكلٍ هادئ ، لكنها تَضرب المنازل في المناطق المتمرّدة . كلمته تُمرض الناس ، تُضعفهم ، كلمته تندفع في السماء، كما قوة البرق ، وصوت الرعد ، كلمته تمشي على الأرض، كما العشب والانهار والسهول . كلمته تُخيفني في العلى، تُقلُقني ، تجعلني أرتَجف في من قلبي . كلمة الرب الذي في العلى ، تَهزُّ السماوات ، تَهزُّ الجبال حين تقع عليها . مثل العاصفة . الجبّار، يهزّني الجبّار، رب كُلّ الأراضي ، صاحب القلب الذي لا يُسبَر، صاحب الكلمات الفعّالة ، أوامره لا يمكن أن تُنقضها أية قوى ، إنليل ألفاظه لا تتغيّر . الكلمة عنده كما العاصفة ، تُدمّر البيادر ، تَقتلع الحظائر ، تَسحب الجذور ، تُعرّي الغابات ،وتَستَبدل الشعائر . يا رب جميع الأراضي ، في رحابك نجثو ، فألهمنا الكلمة ، وأغرسنا في ضوءك .

جلجامش: آمين .

العجوز: يا جلجامش ، اسمع مني كلمات الرب ، اسمعها على لساني ، وانظرها بعين قلبك . الطهارة تبدأ من القلب ، فالرب ينظر لك ، من باب القلب . والقلب كما التفاحة ، يفسدها سوء القول ، وسوء الفعل . تأكلها آفات الظلم ، وديدان الجور والسرقة والكذب ، وعصيان الإباء ، والتنكيل بالنساء . يا جلجامش أكبر خطاياك دخلت عليك من باب الحُكم ، لن يطهر قلبك ، دون العدل وخدمة الانسان ، هل يعقل ما يجري في مملكتك الآن ! الناس تموت على الظن ، والأطفال جياع ، والذل يأكل أرواح الرجال ، وأموال الدنيا تنهب ، وفساد الخلق والأخلاق تأكل اوروك كما النار في الهشيم . انظر بعين قلبك لما أرى في الأقاليم والمدن وعند الاهوار وقرب الجبال وفي حقول القمح والشعير ، الا ترى ما يحدث في بساتين النخيل ، انظر جيدا يا جلجامش ، هل حكمت بين شعبك بالعدل ، هل انتصرت للضعيف من القوي ، هل سقيت الزرع من الفرات العظيم كما ينبغي ، هل كنت والدا لليتامى في ملكك العظيم ، هل منحت شباب اوروك الكرامة والعمل ، هل سننت قوانين تحفظ الضعيف ، وتمسك جبروت الطواغيت والحيتان .

جلجامش: ولكنني جلجامش العظيم ، صانع المجد العظيم ، قاتل الوحوش والاعداء ، أنا جلجامش هيكل من خلود عظيم .

العجوز : ألم أخبرك ألا تسألني !

جلجامش: أطلب العذر والسماح ، لا تؤاخذني ، وان سألتك مرة أخرى فلا تصاحبني .

العجوز : ما عادت الحياة في أوروك تطاق يا جلجامش ، أنظر ما يفسد أمر الناس وأصلحه ، الرب ينظر كثيرا في أوروك ، هي فردوسه الأولى ، ومدينته الأولى ، هل يعقل ما يجري فيها من حزن ، من جوع ، من عوز ، من خذلان . كيف استبيح بين الفراتين الانسان ! شرط الرب أن تمنح من حولك فرحا لا ينضب ، وصبحا لا يخبو ، وأملا لا يتوقف . الرب منحك الملك لتمنحهم ذلك ، ورحلتك الى الطهارة تبدأ بشعبك وبأوروك . اذا اردت أن تسمو ، وترتقي كما النجوم في السماء فعليك أن تغدو سراجا يوقد الحياة لشعبك ولمحبيك .

جلجامش: لامست روحي بجميل ما نصحت أيها العجوز ، عبرت نحو ضفتي مثل زورق شفيف ( يتحرك ) سأطرق كل أبواب اليتامى والارامل والثكالى في اوروك ، سأنصف النساء والعبيد والجنود ، سأكون بين الفقراء والمزارعين والصيادين ، سأسن للعدل قوانينا لا تذبل ولا تضيع ، وسأوزع الغلال فوق التلال للطيور والهوام ، سيشاهد القادم من بعيد ، ما علا من ، بناء مدارس اوروك ومعابدها ، ويشاهد رؤوس نخيلها كما الظلام ، ويسمع ضحكات اليتامى ، فرح الفقراء ، من بعيد .

العجوز : هو ذاك ، من هنا تماما ، بدأت يا جلجامش العظيم ، برحلة الطهارة والخلود . فأذهب تجاه اوروك بالحياة والفرح ، كي تخطو أولى خطاك من أجل اللقاء ، اذهب نحو اللقاء ، تحرك نحو السمو والصعود  . ( يخرج )

رثاء انكيدو  /

( المكان / السهلة  ..

   الزمان / بعد غروب الشمس .. في الثلاثاء الاربعين ..

يدخل جلجامش وهو يدفع عربة معاقين فارغة .. عيناه تغرق بالدمع .. وقلبه حزين .. ويداه ترتعشان وهما يدفعان العربة .. يتحرك بها حتى يضعها في المقدمة .. ينظر في المكان بحزن شديد .. ويبدأ بالحديث بلهجة حزينة : )

جلجامش: هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره
يا بلادي .. هو الذي عرف جميع الاشياء وأفاد من عبرها .. وهو الحكيم العارف بكل
شيء .. لقد أبصر الاسرار وكشف عن الخفايا المكتومة .. وجاء بأنباء ما قبل الطوفان
.. لقد سلك طرقا بعيدة متقلبا ما بين التعب والراحة .. فنقش في نصب الحجر كل ما
عاناهوخبر ..                                                          
( يصرخ بأعلى صوته ) انكيدو .. انكيدو .. يا قطعة من فؤادي .. ويا سلوى روحي .. ويا بهجة العين .. انكيدو ..   ( يعود للحديث بلهجة حزينة ومنخفضة كما في المقطع الأول )                                              
انه البطل .. سليل الوركاء والثور النطّاح .. انه المقدم في الطليعة .. وهو كذلك في الخلف ليحمي اخوانه واقرانه .. انه المظلة العظمى حامي اتباعه من الرجال.. انه موجة الطوفان العاتية .. تحطم جدران الحجر .. وهو الذي فتح مفازات الجبال.. وعبر المحيط حيث مطلع الشمس .. لقد جاب جهات العالم الاربع .. وهو الذي سعى لينال الحياة الخالدة ..          ( يصرخ بأعلى صوته ) انكيدو .. انكيدو .. يا كبدي .. ويا حشاشة روحي .. ويا نور عيني .. انكيدو ..
(يعود للحديث بلهجة حزينة ومنخفضة كما في المقطع الأول ) اسمعوا ايها الشيوخ واصغوا إلي .. من أجل انكيدو أبكي .. أجل .. من أجله أنوح نواح الثكلى .. إنه الفأس التي في جنبي وقوة ساعدي .. إنه الخنجر الذي في حزامي والمجن الذي يدرأ عني .. إنه فرحتي وبهجتي
وكسوة عيدي .. لقد ظهر  شيطان رجيم وسرقه
مني .. ( يصرخ بأعلى صوته )  انكيدو .. انكيدو .. من ترى بعدك سيقتفي حمر الوحش في التلال .. والثور السماوي .. في الصحاري .. من بعدك سيرتقي أعالي الجبال .. وينحر الثيران السماوية .. من بعدك سيقهر خمبابا الساكن في غابةالارز ..                                                  ( يعود للحديث بلهجة حزينة ومنخفضة كما في المقطع الأول ) أي سنة من النوم .. هذه التي غلبتك.. وتمكنت منك .. ؟ طواك ظلام الليل فلا تسمعني .. آه ! لقد غدا انكيدو الذي أحببت
ترابا .. وأنا .. سأضطجع مثله فلا أقوم أبد الابدين ..( يقع جلجامش على
الارض .. دون أي حركة )

( يدخل اور – شنابي
الملاح ، وصاحبة الحانة سدوري  .. وهما
ينظران الى جسد جلجامش المسجى .. ويتبادلان ترتيل الصلوات بشكل قداس جنائزي )

اور – شنابي: وما أن لا حت تباشير الصباح ..

سدوري: حتى علت الافق غيمة كبيرة سوداء ..

اور – شنابي: يجلجل في وسطها صوت حاد ..

سدوري: صوت حاد .. حاد جداً ..

اور – شنابي: نذيران .. عبر السهول البطاح ..

سدوري: أُقتلعت الدعائم ..

اور – شنابي: ثم أتى الطوفان ، وفتح السدود ..

سدوري: رفعت السماء  مشاعلهم عاليا ..

اور – شنابي: حتى أضاء وهجها الأرض ..

سدوري: وبلغت ثورة حتى تخوم السماء ..

اور – شنابي: أحالت كل النور .. الى ظلمة ..

سدوري: والارض الفسيحة .. قد تحطمت
كما الجرة ..

اور – شنابي: ثارت العاصفة يوما كاملا ، وتزايدت سرعتها ، حتى غمرت الجبال .

سدوري: أتت على الناس .. وحصدتهم
كما تفعل الحرب ..

اور – شنابي: عمي الاخ عن أخيه ..

سدوري: وبات أهل السماء لا يرون
الارض .

اور – شنابي: صرخت عشتار كامرأة في مخاض ..

سدوري: لقد آلت الى طين .. طين ..تلك
الايام القديمة ..

اور – شنابي: ها هم أبناء شعبي .. يملأون البحر
كصغار السمك .. ؟

( يدخل اوتو –نبشتم .. ملتحفا بالبياض .. ونور السماء يسطع من جبينه .. يتقدم بخطى ثقيلة ..
ويحمل بيديه باقة جميلة وملونة .. من عشبة الخلود )

اور  – شنابي: سيدي اوتو – نبشتم .. أشرقت بحضورك الارض .. (ينحني )

سدوري: بوركت
خطاك .. التي حملت الينا السلام .. مولاي ( تنحني )

( يشير اوتو –نبشتم لهما بان يرفعا راسيهما )

اور – شنابي             : (يرفع راسه ) هنيئا لمن حققت له السماء الاماني بلقائك ..

سدوري: (ترفع راسها ) بك يا مولاي .. تهدأ الانفس .. وترتجى الرحمة .. طوبى للأرواح التي
أناخت برحلك يوم الظهور ..

اوتو – نبشتم: بارك الله بكما .. لقد جئت لكي
القاه .. اين أجد جلجامش .. ؟

اور – شنابي: انه هناك ( يشير الى جسد جلجامش ).. يرقد بسلام  .. لم يسعفه الصبر .. على تحمل فراق انكيدو .

سدوري: لقد قتله الحزن على أنكيدو .. فمات كمدا ودموعه على خديه ..

اوتو – نبشتم: بقي اربعين اسبوعا .. يستأذن في
اللقاء .. كان في كل ثلاثاء يبدو أكثر طهرا ونقاء .. ويرتقي سلم القرب أكثر .. رأيت
قلبه كيف اصبح أحلى من الشهد ، وانقى من البلور .. رأيت روحه تهفو للقاء .. فجئت
اليه بما طلب مني .. عشبة الخلود .. جئت بها من أجل انكيدو ..

اور – شنابي: لم يكن يرغب بالحياة دون انكيدو
.. لحق به ..

اوتو – نبشتم: كنت مشتاقا للقاء جلجامش ..  لكن السماء كانت أكثر شوقا مني للقائه .. هذه
عشبة الخلود .. اتيت بها من أجل  جلجامش ..
وابنه أنكيدو .. سأمنحها باسم جلجامش .. الى جسد كل طفل لكي يشفى من الامه .. والى
قلب ، وروح كل اب  ، لكي يصبر .. على ألم
الرحيل ..

                              ستار

                                                    الناصرية

31/3/2013