الابن : سوف لن تحتمل روحي رحيلك يا امي .
الام : انتهت هذه المسرحية الباهتة يا بني ، سوف يسدل الستار الآن .
الابن : قلبي يتقطع من أجلك .
الام : كان يجب عليك ان تحسب ، ومنذ مدة طويلة ، بأنني سأرحل عنك ، في وقت ما ، كي لا تتعذب ، وتقسّم عذاب الفراق على طول الأيام .
الابن : أحبك يا امي .
الام : أنا احبك اكثر يا صغيري .
الابن : هل ترغبين بشيء يا امي ، هل تحبين أن أجلب لك شيء معين ؟
الام : لا ، لقد سُدت نفسي عن كل الملذات في هذه الحياة ، يكفيني أنك معي الآن .
الابن : اخبريني ، ماذا يخطر في بالك وانت على فراش الاحتضار يا غاليتي .
الام : يخطر في بالي شعور واحد ، يشبه شعور من يجهز أوراق السفر .
الابن : حزني عليك وانت تتركين ما تحبين هنا .
الام : بالعكس تماما ، لن تصدق اذا اخبرتك ، انني سعيدة لأنني سأترك كل شيء هنا .
الابن : تقولين ذلك الان !
الام : كل شيء هنا ، سبب لي الألم ، والالم عالق في كل الأيام التي عشتها .
الابن : دعينا لا نتحدث بالوجع ، تحدثي بشيء آخر .
الام : انت على حق ، لم يتبق لي سوى هذه الدقائق الاخيرة ، وبما أن لساني لم يُعقد بعد ، أحب أن أتلو وصيتي الاخيرة عليك يا بني .
الابن : قولي ما في نفسك ، انا اسمعك يا غاليتي .
الام : حسنا ، فيما يخص موتي ، يجب أن تعرف شيئا جوهريا يا بني ، أنني منذ ان أدركت معنى الموت في شبابي ، وأنا أفكر في هذه اللحظة ، وهذا الفراش ، ولحظات الاحتضار ، كل يوم .
الابن : وماذا وجدت الآن ؟
الام : لقد وجدت ان الامور ليست بالسوء الذي كنت احسبه ، وجدت هذا اليوم عاديا جدا ، لا يتميز بشيء ، عن باقي الايام ، حتى أنني أرى أنه يوم مناسب تماما للموت .
الابن : يبدو أن الأمور فعلا في صالحك اليوم تماما .
الام : الموت وكل ما يتعلق به ، شكّلته فينا حكايا الرعب التي سمعناها عنه ، بشكل فضيع .
الابن : ليس هناك يقين حول كل ما قالوا عنه يا امي ، لا تخافي .
الام : لست خائفة من الموت يا صغيري ، أنا أتعامل مع الموت الآن تماما مثل ليلة الزفاف ، حيث يرعبون فيها العروس مما ستشاهد على فراش الزوجية ، وهو بالنقيض عن كل ما سيجري .
الابن : ( يمازح امه ) وماذا شاهدت أنت على فراش الزوجية يا امي .
الام : ويحك يا سافل ، عموما ، لم أشاهد شيئا ذا بال ، كانت كما هو ابوك دائما ، باهت وسطحي ، ابن الكلب ، بارد ولا يجيد الدراما ، كان طوال حياته بلا طعم أو لون أو رائحة .
الابن : (يضحك ) ارجوك يا امي ، انت على فراش الموت ، قد تقابلين ابي في اي لحظة ، في عالم الاموات .
الام : أقابل أبيك ! لا اريد أن أقابله ، سأرفض ذلك بشدة ، لن اسمح أن يرغمني أحد على مقابلة ذاك الشيء ، كما فعلوا بي عندما غصبوني على الزواج منه .
الابن : ولكن يا امي ، هذه الامور مر عليها سنين طويلة جدا .
الام : هذه السنين ، هي سنين عمري يا بني .
الابن : أعرف كم قاسيت يا غاليتي ، أنا آسف على كل ما جرى لك .
الام : حسنا ، الان ، سينتهي كل هذا .
الابن : أعرف أنه لن ينفع ان اعتذر بالنيابة عن أبي .
الام : أبوك ! تعتذر عن ابيك ! لماذا قد تفعل ذلك ، أنت ابني الحنون الصالح ..
الابن : وماذا عن ابي ؟
الام : أبوك ابن كلب ..
الابن : ( يضحك ) امي ارجوك ..
الام : على ذكر ابيك ، أول وأهم ما أوصيك به ، قبل موتي ، هو أن لا تدفن جثتي الى جنب قبر ابيك ، أبدا .
الابن : ولكن ! نحن جميعا ندفن في مقابر العائلة يا امي .
الام : قلت لك لا تدفني قرب قبر هذا الشيء ، هل فهمت ؟
الابن : حسنا ، فهمت .
الام : لا اريد أن اشاهده هناك ابدا ، يكفي الثلاثون عاما التي عشتها معه هنا .
الابن : كما تشائين .
الام : نعم ، لقد حان لي أن أختار كل تفاصيل ما بعد الموت ، فلقد عشت حياة ما قبل الموت دون خيارات .
الابن : سأفعل لك كل ما ترغبين به ، فقط كوني بخير وسلام .
الام : بما أن ابيك مدفون هناك ، في المقبرة غرب المدينة .
الابن : نعم هو هناك ، مع باقي افراد العائلة .
الام : اذن ، خذني بعيدا عن جيفته ، خذني الى مقبرة العاصمة على بعد ثلاثمائة وستون كيلو متر ، وادفني هناك ، فلقد سمعته اكثر من مرة يقول ، أنه يتيه في العاصمة دائما ، ولا اريد أن يصل الى قبري ، حتى وهو ميت ، سوف لن يجازف بالمجيء للعاصمة .
الابن : هل انت جادة بما تقولين يا امي !
الام : يا ولد الا ترى أنني على فراش الموت ، هل هناك من يمزح على فراش الموت ، لست امزح طبعا .
الابن : ولكن سيكون قبرك بعيدا عني ، كيف بي اذا اشتقت اليك .
الام : لا اريد أن أرى أي أحد منكم ، لأنه سيذكرني بابيك ، هل هذا واضح ؟
الابن : ولكنك امي !
الام : ستمر فترة وتنساني ، ستأخذك الحياة والأيام بعيدا عني .
الابن : لا لن افعل ، انت اغلى شيء عندي في هذه الحياة .
الام : يا ابن الكلب ، من اين جئت بكل هذا القلب ، كان ابوك قلبه من صخر .
الابن : ارجوك يا امي .
الام : يا بني لقد تحملت ابيك ثلاثين عاما من اجلك انت ، لماذا تطلب مني ان اتحمل جيفة ابيك قرب قبري .
الابن : ولكن ، اتوسل اليك يا امي .
الام : يا ابن فضلات البقر ، ان الوقت حتى ينفخ في الصور ، وتقوم الساعة ، وقت طويل جدا ، وابوك شيء ثقيل ومسموم ، لا يحتمل ساعة واحدة ، كيف تريد مني ان اتحمل وجوده قربي كل هذه السنين الطويلة .
( الابن يضحك طويلا )
الام : اتوسل اليك يا بني ، ان تبقى ضاحكا ، وفي كل المواقف ، ليس في الحياة ما يستحق طول الحزن.
الابن : قولي لي يا امي ؟
الام : تكلم يا حشاشة قلبي .
الابن : يقولون ان الميت يختار طعم الاكل الذي يحبه ، ليكون ثوابا له ، فاخبريني الان عن الأكلة التي تحبين ان اطبخها لك ، واقوم بتوزيعها على المساكين والفقراء ، كي أهدي ثوابها لروحك .
الام : ويحك يا ولد ، وهل تظن انني احتاج الى ثوابك وانا في العالم الاخر !
الابن : الجميع يحتاج الى الثواب هناك ، هكذا يقول أصحاب القداسة والنيافة والمقام .
الام : تبا لك ، ولهم جميعا .
الابن : ولكن يا امي .
الام : اخرس يا ولد ، لقد عشت هذه الحياة ، بكل ما في الجحيم من بؤس وعذاب ، تحت سماء كل من ذكرت ، وبسببهم تضاعفت عذاباتي ، لا تذكرهم لي وإلا … ( يقاطعها الابن )
الابن : ارجوك يا امي ، اصمتي ، أخاف ان يسمعك احد .
الام : اسمعني جيدا ، لقد انهيت محكوميتي في الجحيم هنا ، لقد دفعت ثمن سيئاتي وذنوبي ، في جحيم هذه الحياة ، لا اعتقد ان هناك انسان سيدفع ثمن ما قام به مرتين ، كن على ثقة انني سأكون في النعيم ، في العالم الآخر ، سأكون هناك الى جانب كل نساء هذا العالم ، واللواتي شهدن ما شهدت من فضائع وأحزان في هذا العالم البائس .
الابن : اعذريني يا امي ، قلّبت عليك المواجع .
الام : حسنا ، ليس عندي ما اوصيك به بعد ، سوى شيء واحد .
الابن : ما هو هذا الشيء ؟
الام : لا تأخذ هذه الحياة بجدية تامة .
الابن : لم افهمك يا أمي
الام : لا يبدو ابدا ان ما يجري فيها جاد وحقيقي ، كل الأشياء ، كل الأسماء والاحداث تتلاشى بعد وقت قصير ، وكأن شيئا لم يحدث ، ما يتبقى هو شكل شعورك فقط .
الابن : ولكنك شاهدت كيف هو شكل الصراع فيها .
الام : التمدد على هذا الفراش ، سيكون للجميع دون استثناء ، وسيحدد حجم هذه الصراعات يا بني .
الابن : ولكن من تراه قد يحسب لهذا الفراش حساب ، أثناء جريه المجنون في تفاصيل الحياة .
الام : وهذا هو آخر ما اوصيك به ، ان تلمح دائما ، وبزاوية بسيطة من عينك ، تلمح نفسك وانت ممدد على هذا الفراش ، في كل الأحوال التي ستكون عليها في هذه الحياة .
الابن : لقد تعلمت الكثير من هذه الحياة يا امي .
الام : اوصيك بكل شيء ، خفف علي وطأة هذا الجحيم ، الذي اسمه الحياة .
الابن : وصاياك في القلب والروح يا غالية .
الام : أحاول ان اخفف عليك جمر التجربة .
( تتلوى الام من الألم )
الابن : سلامات يا امي .
الام : آخر ما عندي هو الاعتذار .
الابن : الاعتذار ممن ، أنت لم تذنبي بحق أي شخص !
الام : الاعتذار من نفسي يا بني .
الابن : وما ذاك الذنب الذي اقترفت بحق نفسك ؟
الام : لقد اقترفت معها الكثير ، وأشد ذلك ، هو الخوف والقلق . لقد حملتها وزر هذا الشعور الفظيع ، سنين طويلة وهي تتلوى مثل سمكة مسمومة ، سنين طويلة وهي تصارع ضغوط هائلة ، تحاول ان تحدث التوازن المطلوب لكيان ، أقل ما يمكن ان أصفه ، أنه كيان يرتجف مما جرى ويجري له ، كيان بني على خدعة العيش .
الابن : ترى هل ستقبل اعتذارك ؟
الام : لا أظن ذلك ، لقد جاء متأخرا ، لكن أفضل من ان لا يأتي أبدا .
الابن : السلام والطمأنينة لروحك في السماء أمي .
الام. : الفرح والمسرات لك في الارض يابني . وداعا
الابن : ولكن ! ليس بهذه السهولة يا امي ، هذا موت وليس زيارة لبيت جارة من جاراتك .
الام : لا يبدو أن هناك فرق كبير .
الإبن : أمي سيكون عالمي وحشة بغيابك ، احبك .
الام. : أشعر بضيق في التنفس ، وثقل في اطرافي .
الابن : يا مهجة روحي ..
الام. : أح .. بك .. يا روووح .. ي
الابن : أمي .. لن انساك .. السلام وجنان الخلد لروحك
(الام تحاول الكلام ولا تستطيع )
الابن : هل بقي شيء ترغبين باخباري به ؟
( الام تبذل جهدا مضاعفا للكلام )
الابن : ماذا يا امي ؟ هل هناك شيء اخر ؟
(الام تبذل جهد كبير في الكلام ، وتخرج منها الحروف متقطعة وضعيفة )
الام : جا … ر .. تي
الابن : ما بها جارتك يا أمي !
الام : ( بصعوبة بالغة ) أخ .. ذت .. إبر..يق .. الش ..آي .. الخ .. زف …. ( تموت )
– ستار –
الناصرية
12/11/2023