مسرحية ملّاية

(*الملاية : امرأة تنعى الموتى بأبيات من الشعر باللهجة الشعبية وبصوت رخيم ، في مواسم العزاء )

( إمرأة في منصتف الاربعين ، تجلس وحيدة في عمق شمال المسرح ، المسرح فارغ تماما ، سوى لاقطة صوت تتدلى من السقف ، في مقدمة وسط المسرح ،المرأة تنفث دخان سجارتها )

المرأة       : لا يمكن للوقت أن يبقى واقفا في مكانه ، إنه يتحرك كما الريح ، يمينا وشمالا ، تنظر حولك ، كيف تحدث الحوادث لجميع من تراهم ، يأكلك الخوف من أن يحصل لك ، ما حصل لغيرك ( تنفث الدخان ) المشكلة أنك متأكد تماما ، أنه سيحدث لك ما  حدث لهم ، نعم متأكد بنسبة الف في المائة ، لكنك تمنّي نفسك ، تخذل يقينك ، تمرر الكذب من تحتك ، لا ترغب أن تدرك أنك يجب أن تستعد للقادم المحتوم ( تضع قدم على الاخرى ) كلنا تحكمنا الاجواء التي نحيا فيها ، وخصوصا عند التفكير بأمر ما ، فالشباب والحيوية ، والجسد المكتنز الجميل ، والشعر الاسود الطويل ، كان جوا مثاليا لافكاري ، حين كنت في عمر العشرين ، كنت لا أرى سواه ، أقف أمام المرآة في غرفتي ( تقف ووجهها الى الجدار في عمق المسرح ) أمعن النظر طويلا فيما أملك من جسد ، شعر ، عيون ، خدود ، أيدي ناعمة ، صدر منتفض ، خصر نحيل .. ( تنفث دخان السيجارة ) ما كنت أسمح لنفسي أن أهب كل هذا الشباب والروح ، ليمتلكها رجل غبي وبارد ، لايقدّر ما املك ، ولا يتحسس حجم الطاقات المتأججة في داخلي ، ما كنت لأسمح أن يمتلك انوثتي ، وعطر جسدي ، ونظرة عيني ، ولمسات يدي ، شخص لا يعرف معنى الانثى ورغباتها ، وما يمكن أن تهبه للرجل .. ( تلتفت بوجهها الى الجمهور ) ولكنني بعد أشهر قليلة ، قليلة جدا ، كنت بكل ما أملك ، ملكا لرجل غبي وبارد ، ولا يملك أي احساس ، رجل لا يعرف من الانثى سوى اللهاث كالكلب فوق جسدها ليلا ، وركلها بقدمه القذرة نهارا ، وحش بربري مجرم ، لقد قتل كل شيء حي في روحي وفي جسدي ، حينها .. بدأت بممارسة النعي على خساراتي ، كنت أردد النواعي في المطبخ ، وفي غرفة النوم ، وأمام الغسيل ، وفي الحمام .. كنت أختار ابياتا مناسبة ، تصف ضياع الشباب وذبول ذاك الجسد وتلك الروح ، وتحكي كيف ذبل بريق عيوني ، واصفر وجهي ، واختفت رائحة جسدي الغض الطري . لقد أصبحت شيئا آخر ، لقد دعكتني الليالي والايام كثيرا ، فذهبت كل الواني المشرقة ، ليبهت لوني ، وتختفي ملامحي ، ويضيع شبابي ( تتحرك ) عندها فقط تيقنت أن الاجواء اختلفت ، وأمسيت شيئا آخر ، شخصا يختلف عما كنت عليه في عمر العشرين ، ( تتحرك ) شاءت الاقدار أن لا أحبل من رجل بهذا الطراز ، لذا كان يطعمني ما جادت به يديه من الضرب ، وينعتني بالعاقر ( تتحرك ) كل يوم يسمعني هذه الشتيمة ، وأنا أنعى ، وأنعى ..هو يسمعني الشتيمة ، وأنا أنعى ، يسمعني وأنعى ، وأنعى .. كنت أحاول أن أرد الشتيمة بالنعي  ( تقف أمام لاقط الصوت ، بلا حراك ) النواعي مراثي قديمة ، اقترحها الانسان لنفسه ، كي يحتمل ما يلاقيه من أولاد العاهرة ، أمثال هذا الرجل ، ( تتحرك ) وبعد أن أقبلت على عمر الثلاثين ، كان قد تعب من الركل والشتيمة والصراخ واللهاث المقرف ، فقرر فجأة أن يبحث عن الولد الذي يرث مافيه من غباء ، بعيدا عني ، وفعلا راح وتزوج إمرأة ثانية وثالثة ، حتى اقتنع في آخر الأمر، أنه هو العاقر ( تضحك بصوت عال ) هو العاقر ، عاقر هذا إبن العاهرة ( تواصل الضحك ) إن كل كلماته لي بأنني عاقر ، قد دارت ، ودارت ، ثم عادت عليه ، أصبحت تشتمه بها كل عيون أهله وجيرانه وأقاربه .. مسكين ، نعم .. مسكين جدا .. فهو لا يستطيع أن يقابل شتيمة العاقر بالنعي ، مثلي ، لانه لا يعرف كيف معنى أن ينعى . ثم إن صوته قبيح ، قبيج جدا ، لا يصلح سوى للنهيق ، ودماغه ، دماغه خشبة عفنه ، لا يقدر أن يحفظ بيت نعي واحد ، لقد قابلته الحياة بانصاف ، حين القت بهذا الشي المقيت والمقرف ، تحت عجلات سيارة مسرعة ، هو وزوجته الثالثة  ( تتحرك الى المقدمة ، تقف أمام لاقط الصوت ، بلا حراك ) لم اقدر أن أنعاه ولا حتى ببيت واحد ،  لا يمكنني أن ألوث النعي على هكذا أشخاص ، اشخاص جاءت الى هذه الحياة لكي تلوثها ، ربما أكون قد بكيت على حالي حين مات ، لكن جميع النساء في العزاء لاحظن انني لم انعاه ابدا ، رغم أنني كنت أذهب للنعي في مناسباتهن الحزينة ( تتحرك ) كل من سمعتني أنعى في مأتمها ، كانت تدعوني لمأتم آخر ، صرت أتنقل من مأتم الى مأتم ، الجميع صار يعرفني ، صارت مهنة تدر عليّ المال ، ( تتحرك ) لقد أحببت النعي أكثر حين مات زوجي  ، وصار جزءا من حياتي ، كان النعي قادرا على أن يفرغ ما في داخلي من مشاعر ، يحذف من داخلي أشياء ، ويضيف مكانها اشياء أخرى مختلفة ، ربما كل من أنعى في مآتمهم يربطون بينه وبين البكاء ، والرحيل والفراق فقط ، لكنه أوسع من ذلك بكثير ( تتحرك لتقف أمام لاقط الصوت ، بدون حركة ) النعي صلوات خاصة ، ابتهالات للذات ، نغمة قادرة على أن تطرب الروح بكيفية أخرى . ( تتحرك ) حين بقيت وحدي ، أرملة ، اختلفت المشاعر بداخلي ، بين شعور أنني حرة ، تخلصت من كل تلك القيود والإهانات والاوامر والحياة البائسة التي كنت أعيشها ، وبين شعور أنني اصبحت وحيدة في هذه الحياة ،  بلا زوج ولا أولاد .. فأخذ كلا الشعورين يدفعني لاتخاذ قرار واحد فقط ، هو أنني يجب أن أبدأ حياتي من جديد ، يجب علي أن أختار لي حياة أحبها واريدها ، لكي أعيش ما بقي من عمري بالشكل الذي احبه  ( تذهب لتقف تحت لاقطة الصوت المعلقة في وسط المسرح ) لقد أصبح النعي كل حياتي تقريبا ، كلما بدأت بالنعي على أحدهم ، تذكرتني ، ومر شريط العمر سريعا أمام عيني ، حاصرتني كل الحوادث التي جرت لي ، منذ أن بدأت بقراءة ما حولي ، ومنذ أن عرفت كيف أتصفح داخلي ، فأبدأ بالنعي ببيتين من الآه والويلاه ، ألعن هذا التاريخ الذي غادره الفرح منذ الطفولة وهل يليق بي كأنثى سوى النعي ، أنعى لما قد لاقيت من الإهانات والقسوة والعنف ، ( تتحرك ) ثم بعد الآهات والويلاه ، أأخذني بعيدا في بيتين من الحزن على الاطلال ، أطلال ما بقي عالقا في رأسي من ذكريات ، الدفئ في بيتنا القديم ، رأسي في حجر أمي ، شفاه أبي تقبل وجهي ، وكل صديقاتي الضعيفات مثلي ، والخجولات مثلي ، والمحرومات مثلي ، نعم فهنا الحرمان هو أقرب صفة للأنثى ( تتحرك ) عافت ارواحنا الجمال والعذوبة والانوثة والاحساس بكل ما تشعر به النساء الاخريات ، وغدا الحرمان هو كل شيء فينا .. نعم كل شيء ( صمت ثم تتحرك ) وبعد أن أذكر الموتى ببيتين أو ثلاثة من الكلائشيات ، أعود للآهات والويلاه ، لأنتقل الى بيتين عن بعض ما لا قيت ممن حولي ، فكل ضربة على وجهي من زوجي .. آه ( وكأنها تتلقى ضربة قوية على وجهها ) يكون لها نعي بنغمة ، تأن معي فيها السماوات والارض .. وعند كل ركله من قدمه .. آخ يمه ( وكأنها تتلقى ركلة في بطنها ، فتسقط على الأرض ) عندي لها نغمة أخرى ، أشعر بها وهي تتوغل كالرصاصة في عنان السماء ، وكالسكين في جوف الارض .. ولكل بصقه من زوجي على جبهتي ( تتراجع الى الخلف بسرعة ) لها في كل مرة أنين عميق ، يخرج ساخنا ، ساخنا من هنا ، من هنا عند نقطة موغلة في العمق في ذاتي ، نقطة لم يكتشفها أحد في داخلي ، ولم يصلها ابدا سوى ذلك الحجم الهائل من الامتهان والاحتقار ، ذلك الذي كان ينزل كالصواعق على روحي وقلبي ، من زوجي السابق ( تتحرك لتقف أمام لاقط الصوت دون حركة ) النعي دائما ما تكون تلك ابياته الشديدة هي الاكثر قدرة على إبكاء المعزيات بحرقة ، يشعرن بها كثيرا في دواخلهن ، دواخلهن الانثوية المحتقرة ، والمهانة ، والمستضعفة .. يبكين على انفسهن بحرقة شديدة ، يبكين طويلا ، يعرفن أن هذه الابيات التي تخصني في الاصل ، هي تعبير صادق ومؤثر لكل ما يدور خلف الجدران في بيوتهن ، رغم أنهن يتظاهرن بغير ذلك ، ( تتحرك ) دائما ما انظر الى كمية الذهب والمجوهرات التي يرتدينها ، كلها محاولة لتعويض حجم الاهانة والانتقاص الذي يتعرضن له ، فكلما زادت كمية الذهب والمجوهرات ، تعرف أن كمية الحرمان كبيرة الى حد اللعنة ( تدور حول نفسها ) حتى الفساتين والأثواب الملونة بالكثير من الالوان والاشكال والتفاصيل ، كلها تعبير عن مدى الغضب الذي يدور في داخل المرأة المكبوتة من اليوم الاول وحتى اليوم الاخير ، ( تتحرك ) ففي اليوم الاخيرحين تموت تلك المرأة ، دائما ما يترك ذكر اسمها في لوحة التأبين ، ليكتب مكانه ، عقيلة فلان الفلاني ، أو ابنة فلان الفلاني ، أو أم لفلان الفلاني .. فاسمها عورة كبيرة ، لا تستطيع كل تضحياتها وبذلها والخدمات التي قدمتها أن تشفع لها بذكر اسمها على لوحة التأبين ، أو حتى على شاهد قبرها ( تتحرك ) آه ..  كم أسمع من الاهات والوجع في داخل كل واحدة من رفيقاتي في العزاء ، كن دائما يضربن صدورهن بحرقة ، كنت أسمع صوت أضلاعهن تتهشم ، يعاقبن أنفسهن بشدة ، كيف سمحن لانفسهن أن يحيين كإناث ، كخراف ، كهامشيات بلا قيمة . ( تتحرك لتقف أمام لاقط الصوت في مقدمة المسرح ) النعي هو اكتشاف انثوي بحت ، يجب أن يكون كذلك ، يجب أن تكون هذه التعازي من اختراع النساء ، أمكنة للتفريغ والتعويض ولجلد الذات بقوة ، بقوة كافية ، للخروج بعدها من العزاء بقدرة تحمل جديدة وكافية لما ستواجه من ضيم وقهر بين جدران بيتها ( تتحرك ) حدث في أحد التعازي حيث كنت أنعى في عزاء رجل مهم ، وشخصية كبيرة ، وقد كان العزاء مكتضا تماما بالنساء ، ومن كل الاعمار ، لفتت انتباهي إحداهن ، امرأة في الثلاثين من العمر ، قتلت نفسها من اللطم والصراخ ( تلطم بقوة على صدرها )  وأخذت تخدش خدودها ، وتقطع بشعرها ( تخدش خدودها ، وتقطع شعرها )  وتبكي بحرقة غريبة ( تتحرك ) أنا كنت أتصور أنها أبنة الرجل المتوفي ، أو ربما أخته الصغرى ، أو قد تكون هي زوجته ، حيث تمثل في العزاء ، دور الزوجة المفجوعة باتقان كبير ، ولكن ما برحت أن جلست في الاستراحة بين جولات التعازي ، حتى عرفت ممن حولي من نساء ، أن هذه المرأة فعلا فقدت رشدها ، وكانت صادقة في ما فعلت ، حين شاهدت أمامها في العزاء ، المرأة التي تزوجت الشاب الذي كانت تحبه قبل الزواج ، وحدث أن كان أفضل بكثير من البغل الذي تزوجته هي فيما بعد ،  لتنجب منه كمية كبيرة من البغال ( تتحرك ) يكفي أن تنعى ببيتين من الحزن لتبكي كل هذه النساء ، وتندب حظها العاثر ، يكفي أن تنعى ببيتين من الآه والويلاه حتى تسمع صوت الحسرات تتكسر بصمت في قلوبهن ، وددت لو أنني لا أتوقف عن النعي لهن ، فهذا لا شك بلسما يداوي شيئا من الكارثة التي تسمى ، حياة الانثى .. ( تتحرك ) في يوم ما ، حين كنت اتسوق من سوق المدينة ، قابلتني فتاة مقبلة على عمر العشرين ، تعرفني في التعازي ، شكت لي هول ما تلاقي من اخوها الكبير وامها ، فقط لأنها لا تريد أن تتزوج من أبن عمها الذي يكبرها بخمسة عشر عاما ، لازلت الى الآن أذكرها وهي تقول لي ، أن الشيء الوحيد الذي منعها من الانتحار هو خوفها على سمعة اهلها من التلوث ، حتى في اختيار الموت ، لا تقدر أن تترك التفكير بسمعة عائلتها المعلقة في رقبتها ، لا ترضى أن يمس سمعة الرجال شيء ( تذهب لتقف أمام لاقط الصوت في مقدمة المسرح ) كم تمنيت أن أملك لنفسي ولكل هذه النساء غير النعي ، ربما لأغير أقدارهن ، ربما ، أو ربما لأحرك قلب هذا العالم كي يفهم ، أخبرهم أن النساء ما عادت قادرة على الاحتمال ، أكثر مما احتملت ، ( تتحرك ) لكني لا أملك سوى حفنة من النواعي ، لذا سأواصل النعي ، وبصوت كافي ، كي تسمعني النساء في كل مرة ، وتغفو ارواحهن في تلك الليلة ، الليلة التي أنعى لهن بسلام ، يغفون على وسائدهن ، مثل طفل صغير فرغ للتو من ثدي أمه ..

  • ستار –

تركيا – سامسون

17/6 / 2018